كتاب الرأي

علاقتنا مع فرنسا غير!

تختلف العلاقات السعودية – الفرنسية عن غيرها لاتسامها بالتفرد، فهي الأطول في علاقات المملكة مع دول العالم، وتميزت بأن البعد الثقافي يشكل البعد الرئيس في هذه العلاقات التي تضرب في جذورها إلى عهد الدولة السعودية الأولى عندما أرسل نابليون بونابرت إلى الدرعية موفدًا اسمه لاسكاريس لمقابلة الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (سعود الكبير)، حيث أجرى معه محادثات تمحورت حول مساعدة نابليون ضد البريطانيين، كي تتمكن فرنسا من الوصول إلى الهند وضرب النفوذ البريطاني فيها.
وفي العصر الحديث، شكلت زيارة جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود – يرحمه الله- لفرنسا عام 1967، ولقاءه التاريخي الهام بالرئيس شارل ديجول نقطة تحول، ليس في مسار العلاقات السعودية – الفرنسية فحسب، بل أيضًا في مسار العلاقات العربية – الفرنسية، لما ترتب عليها من تحول درامتيكي في العلاقات الفرنسية مع كل من العرب وإسرائيل عندما تخلت فرنسا عن سياستها السابقة المنحازة لإسرائيل ، واختارت سياسة أكثر تفهمًا لعدالة القضية الفلسطينية.
وظلت العلاقات بين المملكة وفرنسا تزداد قوة ومتانة ورسوخًا مع مرور الوقت، رغم تغير الأحزاب الحاكمة في فرنسا. ووصلت تلك العلاقات إلى ذروتها في هذا العهد، وحيث تعتبر فرنسا البلد الوحيد الذي اختصه سمو ولي العهد بأربع زيارات رسمية حتى الآن في الأعوام 2018، و2022، و2023، ومؤخرًا في 23 أغسطس هذا العام، وفي المقابل فقد زار رئيس جمهورية فرنسا ماكرون المملكة في العام 2024م تلبيةً لدعوة من ولي العهد سمو الأميرمحمد بن سلمان، وضمن أهم ما تم الاتفاق عليه في تلك الزيارة المضي في تعميق التعاون في المجالات الإستراتيجية، لإضفاء قيمة متجدِّدة، وطموحة، وطويلة الأمد، مبنية على الشراكة بين باريس والرياض، كما أدت المباحثات إلى اعتماد خارطة طريق للشراكة الإستراتيجية بين البلدين، والتوقيع على مذكرة تفاهم لإنشاء مجلس الشراكة الإستراتيجية برئاسة ولي العهد والرئيس الفرنسي.
وقد شكلت الثقافة مكون أساس في جدول أعمال زيارات سموه الأربع لفرنسا، عندما تحولت العلا إلى أحد أكثر النماذج وضوحاً في التعاون بين البلدين، فيما دخلت السينما والمتاحف والتراث والسياحة والرياضة والفعاليات الكبرى في شبكة المصالح التي تربط البلدين. وأكد الجانبان مرة أخرى في الزيارة الرابعة لسموه على أهمية تعاونهما الاستثنائي في العلا، في إطار رؤية المملكة 2030، خاصة في مجالات الآثار والتراث والثقافة. وفي هذا الصدد، قرر الجانبان تمديد الشراكة السعودية-الفرنسية بشأن العلا حتى عام 2035م، في إطار متطور يعكس متانة التعاون بين البلدين، والاستفادة من الفرص التي تتيحها العلا بوصفها وجهة ثقافية وتراثية بارزة في القرن الحادي والعشرين.
والسؤال لماذا تشكل الثقافة بعداً رئيسياً في العلاقات السعودية – الفرنسية؟، الإجابة ببساطة لأنها تحولت إلى جسر استراتيجي يربط بين طموحات “رؤية السعودية 2030” في التحول السياحي والثقافي، ونظرًا لخبرة فرنسا العريقة في التراث والفنون والمتاحف والصناعات الإبداعية التي ظلت تشتهر بها فرنسا.
وتميزت زيارة سموه الرابعة لفرنسا عن غيرها من الزيارات السابقة، بتزامنها مع مرور مائة عام على إقامة العلاقات السياسية بينهما، وبالنظر إلى توقيتها الحساس مع تصاعد وتيرة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وسوريا وغزة، وما اتسمت المباحثات بينهما في هذا الشأن من تطابق في وجهات النظر فيما يتعلق بهذه التوترات التي تهدد أمن واستقرار المنطقة والذي ينعكس بشكل أو بآخر على أمن دول حوض المتوسط الأوروبية، وتميزت الزيارة أيضًا بما صاحبها من فعاليات وبما أسفرت عنه من نتائج تركت الأثر الكبير في رسوخ هذه العلاقات وتعميقها ورفعها إلى أعلى المستويات، وتمثل ذلك في حضور سموه الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الالكترونية التي تقام خارج السعودية للمرة الأولى، وتوقيع عقد مشاركتها في إكسبو _2030_ الرياض، لتكون أول دولة تستكمل هذه الخطوة، وإنشاء مركز للثقافة السعودية في باريس.
ومن شأن هذا المركز أن يشكل منصة للتعريف بالثقافة السعودية وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته، كما سيعمل على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات وتنفيذ المبادرات المشتركة.
ما أسفرت عنه زيارة سموه الرابعة لباريس من توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، شملت قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والثقافة والصحة والسياحة، يعكس اتساع مجالات التعاون والفرص الاستثمارية بين المملكة وفرنسا، وبما يعزز آفاق التعاون الاستراتيجي بينهما إلى آفاق غير محدودة، ويؤكد من جديد على دور المملكة المتنامي كدولة محورية في منطقتها وفي العالم تحمل رسالة محبة وسلام للعالم كله.

د. سونيا أحمد مالكي

طبيبة - مديرة إدارة الصحة المدرسية بتعليم جدة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى