“لا تكمن القيمة الحقيقية لرأس المال فيما يملكه، بل فيما يوسّع من حدود الممكن.”
في هذه القراءة، أقترح “اقتصاد الممكنات” إطارًا تحليليًا لقراءة التحول الذي يشهده دور رأس المال السيادي في الاقتصادات الحديثة. ولا يُطرح هذا المفهوم بوصفه نظرية اقتصادية مكتملة، وإنما إطارًا تفسيريًا يساعد على فهم انتقال رأس المال السيادي من وظيفة إدارة الثروة إلى وظيفة بناء البيئات الاقتصادية القادرة على إنتاج الثروة بصورة مستدامة.
اعتدنا، لعقود طويلة، أن ننظر إلى الصناديق السيادية باعتبارها مؤسسات أُنشئت لإدارة الثروة الوطنية، وتعظيم العوائد، وتنويع المحافظ الاستثمارية، وحماية حقوق الأجيال القادمة. ولذلك ارتبط تقييم نجاحها بحجم الأصول التي تديرها، أو بمعدلات العائد التي تحققها، أو بمكانتها بين أكبر الصناديق السيادية في العالم. غير أن التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى إعادة النظر في هذا التصور التقليدي؛ إذ يبدو أن الدور الحقيقي لرأس المال السيادي لم يعد يقتصر على إدارة الثروة، بل بدأ يتطور ليؤدي وظيفة أكثر عمقًا تتمثل في إعادة تشكيل البيئات الاقتصادية نفسها.
وتبرز تجربة صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) بوصفها واحدة من أبرز النماذج التي تعكس هذا التحول. فالتقرير السنوي لعام 2025 لم يقدم نتائج مالية قوية فحسب، بل كشف أيضًا عن انتقال تدريجي من مرحلة كان فيها التركيز منصبًا على تأسيس الأصول والقطاعات، إلى مرحلة أصبح فيها التركيز على تعظيم القيمة الاقتصادية الناتجة عن تلك الأصول بعد اكتمال بنائها. فقد بلغت الإيرادات نحو 450 مليار ريال، وتضاعف صافي الأرباح إلى أكثر من 65 مليار ريال، ووصلت الأصول المدارة إلى نحو 3.4 تريليون ريال. وتمثل هذه المؤشرات تطورًا مؤسسيًا وماليًا مهمًا، لكنها في الوقت ذاته تعكس تحولًا في فلسفة توظيف رأس المال، وليس مجرد تحسن في الأداء المالي.
ومن هنا، لا تبدو تجربة صندوق الاستثمارات العامة مجرد قصة نجاح لصندوق سيادي، بل نافذة لفهم تحول أوسع في وظيفة رأس المال السيادي. فبعد أن كان دوره التقليدي يتمثل في إدارة الفوائض المالية وتعظيم العوائد، أصبح يشارك بصورة متزايدة في بناء القطاعات، وتطوير سلاسل القيمة، وتحفيز الاستثمار، وتهيئة البيئات الاقتصادية التي ستولد الثروة مستقبلًا. وبذلك، لم يعد الصندوق مستثمرًا في الاقتصاد فحسب، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة لبناء الممكنات الاقتصادية.
وفي تقديري، فإن هذا التحول لا يمكن تفسيره بالمعايير التقليدية التي تقيس نجاح الصناديق السيادية بحجم الأصول أو الأرباح فقط. فالقيمة الحقيقية لهذا النوع من رأس المال أصبحت تكمن في قدرته على بناء الشروط التي تجعل ظهور أسواق وقطاعات وفرص اقتصادية جديدة أمرًا ممكنًا. وهذا هو جوهر ما أقصده بـ اقتصاد الممكنات.
ففي الفكر الاستثماري التقليدي، يتحرك رأس المال نحو الأسواق القائمة بحثًا عن أفضل الفرص، ويُقاس نجاحه بقدرته على اختيار الأصول الأكثر ربحية. أما في النموذج الذي بدأ يتشكل اليوم، فإن رأس المال يسبق السوق، ويشارك في بناء مقوماتها، وربط عناصرها، وتطوير بيئتها، حتى تصبح قادرة لاحقًا على جذب المستثمرين والشركات والعمل بصورة مستقلة. ولم يعد رأس المال السيادي يُقاس بما يملكه من أصول فحسب، بل بما يضيفه من قدرات، وما يفتح من احتمالات، وما يوسّع من حدود الممكن اقتصاديًا.
ومن هذا المنظور، لا تقتصر الممكنات الاقتصادية على التمويل وحده، وإنما تشمل البيئة التشريعية، والبنية التحتية، ورأس المال البشري، والابتكار، وسلاسل القيمة، والشراكات، والقدرة على جذب الاستثمار الخاص. وعندما تتكامل هذه الممكنات، تصبح الأسواق نتيجة طبيعية وليست نقطة البداية. ولذلك، لم يعد السؤال: كم يملك رأس المال؟ بل أصبح: ما الذي يستطيع هذا الرأس المال أن يجعله ممكنًا؟
ولعل هذا ما يفسر طبيعة الاستثمارات التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة في الذكاء الاصطناعي، والتعدين، والسياحة، والرياضة، والخدمات اللوجستية وغيرها. فهذه القطاعات لا تُعامل بوصفها فرصًا استثمارية منفردة، وإنما بوصفها منظومات اقتصادية متكاملة. فالغاية لم تعد امتلاك أصل ناجح فحسب، وإنما بناء بيئة اقتصادية قادرة على إنتاج النمو بصورة مستدامة، حتى بعد تراجع الدور التأسيسي للدولة.
ويتسق هذا الفهم مع الاستراتيجية الجديدة للصندوق للفترة 2026–2030، التي تركز على تطوير ست منظومات اقتصادية محلية متكاملة، وإطلاق الإمكانات الكاملة للأصول الاستراتيجية، وتعظيم قيمتها طويلة الأجل. ويعكس ذلك انتقالًا من مرحلة بناء القدرات إلى مرحلة تعظيم أثرها الاقتصادي، بحيث يصبح معيار النجاح ليس عدد الشركات التي يتم تأسيسها، وإنما قدرتها على النمو، وجذب الاستثمار، وإنتاج القيمة بصورة مستقلة.
ومن هنا، قد تكون معايير تقييم الصناديق السيادية نفسها في طريقها إلى التغير. فبدلًا من أن يقتصر السؤال على حجم الأصول أو مستوى الأرباح، قد يصبح السؤال الأكثر أهمية: ما الذي أصبح ممكنًا بفضل هذا الرأس المال؟ لأن الاقتصادات لا تتغير عندما تنتقل ملكية الأصول بين المستثمرين، وإنما عندما تتوسع دائرة الممكن اقتصاديًا، وتظهر قطاعات جديدة، وتتكون سلاسل قيمة جديدة، وتنشأ بيئات اقتصادية قادرة على جذب الاستثمار الخاص والاستمرار في النمو.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم قد لا يمثل تطورًا في أداء صندوق سيادي بعينه، بل تحولًا في الطريقة التي يُنظر بها إلى رأس المال السيادي نفسه. فالتحدي الحقيقي لم يعد في تأسيس القطاعات، وإنما في قدرتها على الاستمرار بعد اكتمال مرحلة التأسيس، وتحقيق الاستدامة، وجذب المستثمرين، وإنتاج التدفقات النقدية، وإعادة تدوير رأس المال، وبناء شركات قادرة على المنافسة عالميًا. وعند هذه المرحلة فقط يمكن الحكم على نجاح هذا النموذج.
وربما لن يُذكر العقد الحالي في التاريخ الاقتصادي لأنه شهد توسعًا في الصناديق السيادية، بل لأنه شهد تحولًا في وظيفة رأس المال نفسه. فبعد أن كان رأس المال يقيس نجاحه بما يملكه، أصبح يقاس بما يضيفه من قدرات، وما يفتح من احتمالات، وما يوسّع من حدود الممكن اقتصاديًا. وإذا كانت الثروة في الماضي تُدار، فإنها في الاقتصاد الجديد تُبنى من خلال توسيع الممكنات الاقتصادية، لا من خلال إدارة الموجودات فقط.
إن التحول الحقيقي الذي تكشفه تجربة صندوق الاستثمارات العامة لا يتمثل في تضاعف الأرباح أو نمو الأصول، بل في انتقال رأس المال السيادي من وظيفة إدارة الثروة إلى وظيفة بناء الممكنات الاقتصادية. وإذا صح هذا التحول، فقد لا يكون المعيار الأهم في تقييم الصناديق السيادية مستقبلًا هو حجم الأصول التي تديرها، بل حجم التحولات الاقتصادية التي تجعلها ممكنة. وعندها، لن يكون السؤال: كم يملك الصندوق؟ بل: كم اقتصادًا جديدًا أصبح ممكنًا بفضله؟ وربما يكون هذا هو المعيار الذي سيعيد تعريف وظيفة رأس المال السيادي في القرن الحادي والعشرين، وهو ما أسميه: اقتصاد الممكنات.
•
باحث في ريادة الأعمال والابتكار وإدارة المشاريع