المقالات

من التشريع إلى الريادة… هل تقود المملكة نموذجًا عالميًا في جودة التعليم المبكر؟

“لا تُقاس قوة الأنظمة بما تُنظمه من إجراءات، بل بما تصنعه من إنسان.”

يشكل صدور المرسوم الملكي بالموافقة على #نظام_التعليم_العام نقطة تحول في مسيرة التعليم بالمملكة العربية السعودية، ليس لأنه يضيف إطارًا تشريعيًا جديدًا فحسب، بل لأنه يؤسس لمرحلة يصبح فيها التطوير أكثر استدامة، والحوكمة أكثر وضوحًا، والجودة مسؤولية مؤسسية لا ترتبط بمبادرات مؤقتة أو اجتهادات فردية.
ومن منظور متخصص في تربية الطفولة المبكرة وجودة التعليم، فإن هذه الخطوة تحمل دلالة أعمق؛ فهي تفتح الباب أمام بناء نموذج سعودي متكامل يبدأ من الطفل، ويجعل جودة التعليم المبكر ركيزة لأي إصلاح تعليمي مستدام.
لقد أثبتت الخبرات الدولية أن الدول التي تصدرت مؤشرات التعليم لم تبدأ إصلاحها من المرحلة الثانوية أو الجامعية، وإنما من السنوات الأولى من عمر الطفل. فالاستثمار في الطفولة المبكرة لم يعد خيارًا تربويًا، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا وتنمويًا واستراتيجيًا. وتشير الأدلة العلمية إلى أن جودة التعلم في هذه المرحلة ترتبط بتحسين التحصيل الدراسي، وتعزيز الإبداع، وتنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية، ورفع الإنتاجية مستقبلًا، وهو ما أكدته تقارير اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وأبحاث جيمس هيكمان حول العائد المرتفع للاستثمار في الطفولة المبكرة.
لكن المملكة اليوم لا تقف عند حدود الاستفادة من التجارب العالمية، بل تمتلك فرصة حقيقية لتقديم نموذج سعودي يستمد تميزه من هويته الوطنية، وقيمه الإسلامية، وطموحات رؤية المملكة 2030. فالجودة في السياق السعودي ينبغي ألا تكون استنساخًا لنماذج دولية، بل بناء منظومة تنطلق من ثقافة المجتمع، وتحافظ على الهوية، وتتبنى في الوقت ذاته أفضل الممارسات العالمية.
إن هذا النموذج يمكن أن يرتكز على خمسة أعمدة رئيسة:
أولًا: جودة الممارسات التعليمية داخل الروضة، بحيث يصبح التفاعل بين المعلمة والطفل، وجودة الخبرات اليومية، واللعب الهادف، والاستقصاء، مؤشرات أساسية للحكم على جودة الأداء، وليس الاكتفاء بالمؤشرات الشكلية.
ثانيًا: بناء معايير وطنية متقدمة لجودة التعليم المبكر، تستند إلى الأدلة العلمية، وتراعي الخصوصية الثقافية السعودية، مع وجود أدوات تقويم موحدة تدعم التحسين المستمر.
ثالثًا: الاستثمار في المعلم، من خلال مسارات مهنية واضحة، وبرامج تطوير مستمرة، وشهادات مهنية تعزز الاحترافية، لأن جودة أي نظام تعليمي لا يمكن أن تتجاوز جودة معلميه.
رابعًا: توظيف البحث العلمي في صناعة القرار، بحيث تصبح الجامعات ومراكز البحوث شريكًا في تقييم السياسات وقياس أثرها، وإنتاج مؤشرات وطنية لجودة التعليم المبكر، بدلاً من الاعتماد على الانطباعات أو المؤشرات العامة.
خامسًا: شراكة الأسرة والمجتمع، باعتبارها عنصرًا أصيلًا في نجاح التعليم المبكر، فكلما تكاملت أدوار الروضة والأسرة، ازدادت فرص الطفل في النمو والتعلم.
إن نظام التعليم العام يوفر الإطار النظامي الذي يسمح بتحقيق هذه الرؤية، لكن نجاحها يتطلب الانتقال من التركيز على الامتثال إلى ثقافة التحسين المستمر، ومن قياس المدخلات إلى قياس الأثر الحقيقي في تعلم الطفل ونموه وجودة حياته.
ولعل ما يميز المملكة اليوم هو أن لديها جميع المقومات لبناء هذا النموذج؛ قيادة تؤمن بأن التعليم هو الاستثمار الأهم، ورؤية وطنية طموحة، وتحول رقمي متسارع، وجامعات ومراكز بحث قادرة على إنتاج المعرفة، وخبرات وطنية متخصصة في الطفولة المبكرة وجودة التعليم. وما نحتاج إليه هو توحيد هذه الجهود ضمن إطار وطني يجعل من جودة التعليم المبكر مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى.
إن العالم يتجه اليوم إلى إعادة التفكير في مفهوم التعليم، والمملكة تمتلك فرصة استثنائية لتكون من الدول التي لا تكتفي بتطبيق أفضل الممارسات، بل تسهم في إنتاجها. وعندما يصبح لدينا نموذج سعودي في جودة التعليم المبكر، مبني على البحث العلمي، ومنطلق من الهوية الوطنية، وموجه نحو المستقبل، فإننا لا نطور مرحلة تعليمية فحسب، بل نؤسس لجيل قادر على المنافسة عالميًا، ومعتز بقيمه، ومؤهل للمشاركة في بناء وطنه.
إن نظام التعليم العام ليس مجرد تشريع جديد، بل فرصة تاريخية لأن تصبح المملكة مرجعًا عالميًا في جودة التعليم المبكر، وأن تقدم للعالم نموذجًا يؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الطفل، وأن الريادة تبدأ من جودة البدايات.
ولعل المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق مشروع وطني لجودة الطفولة المبكرة، تتكامل فيه وزارة التعليم، وهيئة تقويم التعليم والتدريب، والجامعات، والجهات ذات العلاقة، لتطوير إطار سعودي مرجعي لجودة التعليم المبكر، يمكن أن يصبح نموذجًا إقليميًا وعالميًا يُحتذى به، ويعكس ريادة المملكة في الاستثمار في الإنسان منذ سنواته الأولى.

• أستاذ تربية الطفولة المبكرة
خبير في جودة التعليم
جامعة الملك عبدالعزيز

أ.د. نهلة بنت محمود قهوجي

أستاذ تربية الطفولة المبكرة - جامعة الملك عبدالعزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى