في المؤتمر الصحفي الأخير، لم يقدم معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان سرداً للإنجازات بقدر ما قدم “خارطة طريق” للمرحلة القادمة. خارطة عنوانها الأبرز: الانتقال من التوسع الكمي إلى التجويد النوعي، ووضع الإنسان في قلب العملية التعليمية. وأبرز ملامح هذه الخارطة كان إعلانان: الأول تمكين المعلم وتخفيف أعبائه، والثاني جعل التعليم المبكر أولوية وطنية بمستهدف 90% بحلول 2030.
التعليم المبكر: استثمار وليس رفاهية، إن اعلان الوصول إلى 35% في نسبة الالتحاق برياض الأطفال، والسعي للوصول إلى 90%، هو نقلة استراتيجية. الأبحاث العالمية تؤكد أن الاستثمار في الطفولة المبكرة هو الأعلى عائداً، فالطفل الذي يدخل المدرسة جاهزاً يقل احتمال تسربه وضعفه الأكاديمي لاحقاً.
الأهم هو التوجه العملي الذي أعلن عنه الوزير: “نماذج لزيادة الالتحاق في رياض الأطفال بمقر العمل”. هذه الفكرة تحل معادلة صعبة. فهي تمكّن المرأة العاملة، وتقلل غياب الأمهات، وتوفر للطفل بيئة تعلم آمنة قريبة من أسرته. بمعنى آخر: التعليم المبكر لم يعد مسؤولية وزارة فقط، بل شراكة مع القطاع الخاص والمجتمع.
أن يكون المعلم محور التحول علامة بارزة في اللقاء، كان واضحاً أن الوزارة تعيد للمعلم اعتباره. عبارة “لا يمكن لأي معلم تدريس مادة وهو غير متخصص فيها” تعني إغلاق باب سد العجز على حساب الجودة. وإلغاء شرط 7 ساعات تدريب حضوري، وربط الدوام بخطة المدرسة، يمنح المدارس مرونة ويحترم خصوصية كل بيئة تعليمية.
الشراكة مع “سدايا وهيومان” لتقليل الأعباء الإدارية، وتدريب 4000 معلم لاكتشاف الموهوبين، كلها رسائل مفادها: نريد معلماً متفرغاً للتعليم والإبداع، لا للورق والروتين.
أيضًا تقييم جميع مدارس المملكة خلال 3 سنوات، وتوحيد المنصات التعليمية في بوابة واحدة، وتجويد الكتب، وإدخال 50 وحدة في الذكاء الاصطناعي للمناهج، واستقطاب 3 جامعات عالمية. هذه كلها مؤشرات على أن المرحلة القادمة هي مرحلة “رفع السقف”. لم نعد نسأل: كم مدرسة بنينا؟ بل: ما جودة مخرجاتنا؟ وكم طالباً من خريجينا في أفضل 50 جامعة عالمية؟ النسبة المعلنة 70% تجيب.
تصريحات معالي الوزير وضعت الأساس، والتحدي الآن في التنفيذ. ولكي نترجم هذا الطموح إلى واقع في كل روضة وفصل، أقترح:
1. تفعيل شراكات القطاع الخاص من خلال إطلاق حوافز واضحة للشركات لإنشاء رياض أطفال في مقراتها. مستهدف 90% لن يتحقق حكومياً فقط.
2. إطار وطني موحد لرياض الأطفال بحيث تصبح المناهج قائمة على اللعب والمهارات الحياتية، مع برامج تأهيل مكثفة للمعلمات.
3. ربط تمكين المعلم بالأثر وذلك بعد تخفيف الأعباء، نقيس أداء المعلم بتطور طلابه ومهاراته الرقمية وقدرته على اكتشاف الموهوبين.
4. حملة توعوية للأسر لتصحيح مفهوم أن الروضة “حضانة”. هي أهم سنتين في بناء شخصية الطفل وقدراته.
ما جاء في اللقاء يؤكد أننا دخلنا عهد “التعليم الجيد للجميع”. وإذا نجحنا في رهان التعليم المبكر تحديداً، فسنكون قد وضعنا اللبنة الأولى والأهم في بناء إنسان رؤية 2030. فالمستقبل لا يبدأ في الجامعة، بل يبدأ في

