كتاب الرأي

البذيء

ليست كل قدرة تستحق أن تُستخدم، ولا كل مواجهة تستحق أن تُخاض، ولا كل شخص بذيء التصرف يستحق أن نضعه أمام خطئه في اللحظة نفسها، ففي الحياة مواقف يكون فيها ضبط النفس أكثر قوة من الرد، والصبر أكثر ذكاءً من المواجهة، والاحتمال المؤقت أقل كلفة من قرار يبدو في ظاهره حاسمًا وشجاعًا.
نحن لا نعيش وحدنا، وقراراتنا لا تقع آثارها علينا وحدنا، نعمل داخل مؤسسات، ونعيش وسط أسر، ونرتبط بعلاقات ومصالح ومسؤوليات متشابكة، ولهذا فإن التعامل مع الشخص البذيء لا يمكن دائمًا اختزاله في سؤال بسيط: لماذا نتحمله؟ فالسؤال الأهم أحيانًا هو: ماذا سيحدث لو لم نتحمله؟
هناك من يملك قدرة محدودة على تقدير العواقب، ويتصرف وفق اللحظة، ويقول ما يخطر بباله دون تفكير، وقد تخرج منه كلمة بذيئة لا يقدر وزنها، لكنها تترك أثرًا لا يزول بسهولة، وقد يكون التعامل معه مرهقًا، غير أن مواجهته بطريقة خاطئة قد تجعل الضرر أكبر، ليس لأنه أقوى، وإنما لأنه أقل قدرة على حساب النتائج، وبعض الناس، حين يشعرون بالخسارة، لا يترددون في قلب الطاولة حتى لو كانوا أول من سيتضرر منها.
وهنا يظهر الفرق بين القوة والحكمة، القوي يستطيع أن يرد، أما الحكيم فيعرف متى يرد، والقوي يستطيع أن ينهي العلاقة، أما الحكيم فيفكر فيما سيترتب على إنهائها، والقوي قد ينتصر في المواجهة، لكن الحكيم يسأل قبل أن يبدأها: ماذا سأربح بعد الانتصار، وماذا سيخسر من حولي؟
في بيئة العمل، على سبيل المثال، قد يكون هناك موظف صعب التعامل، كثير المشكلات، محدود القدرة على العمل الجماعي، قد تصدر منه في لحظة غضب كلمة بذيئة أو موقف فيه فظاظة، لكن إبعاده بصورة مفاجئة قد يربك مشروعًا قائمًا، أو يفقد المؤسسة معرفة لم تُنقل بعد، أو يخلق صراعًا لا حاجة إليه، الإدارة الناضجة لا تعني أن تقبل الخطأ إلى الأبد، لكنها تعني ألا تجعل الرغبة في الحسم تتقدم على مصلحة المؤسسة، قد يكون الحل أن تتحمل الشخص فترة محددة، وتنقل ما لديه من معرفة، وتبني البديل، ثم تتخذ القرار في الوقت المناسب.
وفي الأسرة تصبح المسألة أكثر حساسية، فقد نصبر على قريب صعب الطباع حفاظًا على صلة رحم، أو حمايةً لأطفال من صراع لا ذنب لهم فيه، وقد نتجاوز عن كلمة نستطيع الرد عليها بعشر كلمات، لأننا ندرك أن بعض الكلمات إذا خرجت لا تعود، وأن انتصارًا صغيرًا في جدال قد يتحول إلى خسارة كبيرة في علاقة عمرها عشرات السنين.
وفي العلاقات الاجتماعية أيضًا نتعلم مع الزمن أن الناس ليسوا سواء، هناك من يستحق أن تناقشه، ومن يكفي أن تنصحه، ومن يكون أفضل قرار معه أن تقلل الاحتكاك به، ومن يكون الصمت أمامه أبلغ من ألف حجة، ليست الحكمة أن تعامل الجميع بالطريقة نفسها، بل أن تعرف طبيعة من أمامك، وأن تختار لكل موقف ما يقلل الضرر ويحفظ كرامتك ومصلحتك.
لكن هناك خطًا دقيقًا يفصل الحكمة عن الاستسلام، فالصبر على الشخص المؤذي لا ينبغي أن يصبح أسلوب حياة، والاحتمال المؤقت يجب ألا يتحول إلى إقامة دائمة داخل علاقة تستنزفنا، هناك فرق بين أن تتحمل شخصًا لأن الظروف تتطلب ذلك، وبين أن تمنحه حقًا مفتوحًا في الإساءة إليك، وفرق بين أن تؤجل المواجهة حتى يحين وقتها المناسب، وبين أن تهرب منها إلى الأبد.
الحكمة إذن ليست في مقدار ما نستطيع تحمله، بل في معرفتنا لماذا نتحمل، وإلى متى، وما الذي نفعله خلال فترة الاحتمال، وهذه النقطة مهمة خصوصًا في القيادة، فالقائد الناضج لا يتخلص من كل شخص يختلف معه، ولا يحتفظ بكل شخص يحتاج إليه، إنه يبني البدائل، وينقل المعرفة، ويقلل الاعتماد على الأفراد، ويمنع المؤسسة من أن تصبح رهينة لشخص واحد مهما كانت خبرته أو علاقاته، فالاعتماد المفرط على شخص صعب ليس إدارة له، بل تسليم للمؤسسة إليه.
ومع العمر نتعلم حقيقة أخرى أن بعض الناس لا يحتاجون منا إلى الانتصار عليهم، بل إلى أن نحمي أنفسنا من اندفاعهم، وأحيانًا تكون أفضل طريقة للتعامل معهم ألا ندخل معهم أصلًا في المعركة التي يريدونها، فالإنسان العاقل لا يسمح لشخص آخر بأن يحدد له متى يغضب، ومتى يرد، ومتى يتخذ قراراته.
الحياة ليست ساحة لإثبات القوة في كل لحظة، وفي كثير من الأحيان يكون أقوى الناس هو من يستطيع أن يؤجل ردًا قادرًا عليه، ويتجاوز إساءة يستطيع مضاعفتها، ويتحمل موقفًا يعرف أنه مؤقت، لأنه ينظر إلى ما بعد اللحظة.
لكن عليه في الوقت نفسه أن يتذكر أن الاحتمال وسيلة وليس غاية، وأن الصبر قرار وليس قدرًا، وأن بعض الأشخاص نتحملهم حتى نعبر المرحلة، لا لكي نحملهم معنا بقية الطريق.
فليس كل ما نتحمله يستحق أن نتحمله، ولكن بعض ما نتحمله يكون الثمن الأقل لحماية ما هو أهم، وليس كل بذاءة تستحق ردًا، فبعضها يكفي أن نمر عليها كما نمر على غبار الطريق.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى