كتاب الرأي

دعهم

هناك قاعدة نفسية بسيطة، لكنها غيّرت طريقة كثير من الناس في التعامل مع علاقاتهم بمن حولهم، “دعهم”. أمك فضّلت أخاك عليك؟ دعها. صديقك ابتعد دون تفسير؟ دعه. أحدهم لم يقدّرك رغم كل ما قدّمته؟ دعه. خانك، استغلّك، أو نسيك؟ دعه.
قد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، دعوة إلى البرود أو الانسحاب من الحياة، لكنها في جوهرها شيء آخر تماماً: هي تحرّر من وهمٍ ظننا أنه واجب، وهو وهم أننا مسؤولون عن مشاعر كل من حولنا تجاهنا، وأن علينا أن نُقنع كل إنسان بقيمتنا حتى يرانا كما نستحق.
من يقضي عمره يطارد قبول الناس، يعيش في محكمة دائمة لا تنتهي جلساتها. كل شخص يدخل حياته يصبح قاضياً محتملاً، وكل كلمة، أو نظرة، أو صمت، تتحول إلى دليل يُستدعى في القضية: هل ما زلت مقبولاً؟ هل ما زلت كافياً؟ وهذه المحكمة، للأسف، لا تصدر حكماً نهائياً أبداً، لأن معايير الحكم فيها ليست بيدك، بل بيد من تحاكمهم أنت في الأصل.
والمفارقة أن أكثر الناس إرهاقاً لأنفسهم ليسوا أولئك الذين لا يبالون بالآخرين، بل أولئك الذين يبالون أكثر من اللازم، الذين يعيدون صياغة الجملة عشر مرات قبل إرسالها، ويحللون سبب تأخر الرد، ويشعرون بالذنب لمجرد أنهم رفضوا طلباً أو عبّروا عن رأي مخالف. هؤلاء لا يعيشون حياتهم، بل يعيشون تفسيرات الآخرين لحياتهم.
“دعهم” ليست دعوة إلى القسوة، ولا مبرراً للانطواء، ولا وصفة للتخلي عن كل من أساء إلينا دون تفكير. هي أعمق من ذلك بكثير. هي تعني ألا تكره من ابتعد، ولا تقطع كل جسر معه، ولا تتخلى عن قيمك في سبيل استرضائه. هي تعني، ببساطة، أن تتوقف عن استنزاف نفسك في إقناع من لا يريد أن يقتنع، وأن تكفّ عن تبرير كل تصرف تقوم به لمن لم يطلب منك تبريراً أصلاً، من أراد وجودك، سيحافظ عليه دون أن تُلحّ عليه. ومن لا يرى قيمتك من البداية، فلن تنجح جملة واحدة أو موقف واحد في إقناعه بها، مهما بذلت من جهد.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الاستسلام والتحرر. الاستسلام أن تقول “لا يهمني” وأنت تعني عكس ذلك تماماً، وتحمل الجرح في صمت. أما التحرر فهو أن تصل إلى قناعة داخلية بأن تقييم الآخرين لك ليس مقياساً لقيمتك الحقيقية، وأن مساحتك النفسية أثمن من أن تُترك مفتوحة لكل من أراد أن يعبث فيها، الإنسان الذي يفهم هذا الفرق يكتسب هدوءاً لا يمكن شراؤه بأي إنجاز خارجي، لأنه لم يعد بحاجة إلى موافقة الجميع ليشعر بأنه على الطريق الصحيح.
من الناحية النفسية، يعود جزء كبير من هذا القلق المزمن من تقييم الآخرين إلى خلط بين شيئين مختلفين: احترام رأي الناس، والاحتياج إلى رضاهم. الأول صحي وضروري، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يستقيم أن يعيش في عزلة عن انطباعات من حوله بالكلية. لكن الثاني، وهو الاحتياج إلى الرضا، يتحول مع الوقت إلى قيد خفي، يجعل قراراتك رهينة لموافقة قد لا تأتي أبداً، ويجعل شعورك بذاتك متأرجحاً بين الفرح حين يُثنى عليك والانهيار حين يُنتقد أقل تفاصيلك.
الحل ليس في أن تتوقف عن الاهتمام بالناس، فهذا مستحيل وغير مرغوب فيه أصلاً، بل في أن تعيد ترتيب الأولوية: أن تجعل تقييمك لنفسك هو المرجع الأول، وتقييم الآخرين مجرد معلومة إضافية قد تأخذ بها أو تتجاوزها. حين تفعل ذلك، لن تعود بحاجة إلى أن يفهمك الجميع، ولا أن يحبك الجميع، ولا حتى أن يُنصفك الجميع، سيكفيك فقط أن تعرف أنت قيمتك، وأن يعرفها من يستحق أن يكون قريباً منك.
ومن لا يرى قيمتك، فلن يقنعه بها أي جهد تبذله، مهما طال. القيمة لا تُفرض على من لا يريد أن يراها، كما أن الضوء لا يُفرض على من أغلق عينيه عمداً. فاتركهم يمضون في طريقهم، وامضِ أنت في طريقك، دون حقد، ودون استجداء، ودون أن تحمل في قلبك ثقل من لم يرك كما تستحق أن تُرى.
فالحياة أقصر من أن تُقضى في محاكمة لا تنتهي، وأنت المتهم فيها دائماً، رغم أنك لم ترتكب ذنباً سوى أنك كنت نفسك.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى