✍️جمعان البشيري
تبدأ المملكة اليوم، 31 أغسطس، رحلة جديدة مع المستقبل، تنطلق من العاصمة الرياض إلى عوالم جديدة مع انطلاق النسخة الخامسة من مؤتمر «ليب 2026» ، التي تمتد فعالياته حتى الخميس 3 سبتمبر؛ لتعود العاصمة السعودية مرة أخرى نقطة التقاء للتقنية والذكاء الاصطناعي والاستثمار والابتكار، في حدث لم يعد مجرد موعدٍ سنوي على أجندة المؤتمرات العالمية، بل أصبح شاهدًا على التحول الذي تعيشه المملكة، وعلى قدرتها على صناعة حدثٍ عالمي بدأ من الرياض ثم تجاوز حدودها إلى العالم.
ولذلك لم يعد السؤال اليوم: ماذا تستضيف الرياض؟ بل أصبح: ماذا تصنع الرياض، ثم تُصدّره إلى العالم؟
والفارق بين السؤالين كبير؛ فاستضافة حدث عالمي نجاح، لكن صناعة حدث يبدأ من العاصمة السعودية، ثم يكبر عامًا بعد آخر، ويجذب مئات الآلاف من الزوار وآلاف الشركات والمستثمرين، قبل أن يعبر الحدود إلى واحدة من أهم البوابات الاقتصادية في آسيا، فذلك يروي قصة أخرى تتجاوز تنظيم المؤتمرات إلى صناعة التأثير.
وهذه، في تقديري، هي القراءة الأهم في استعداد الرياض لانطلاق النسخة الخامسة من مؤتمر «ليب 2026» تحت شعار «إلى عوالم جديدة».
بدأ «ليب» عام 2022 مؤتمرًا تقنيًا طموحًا، لكنه خلال أربعة أعوام فقط تجاوز حدود التعريف التقليدي للمؤتمرات؛ فالأرقام التي حققها لا تتحدث عن أعداد زوار وأجنحة ومتحدثين فحسب، بل عن حركة اقتصادية واستثمارية ضخمة تجاوزت قيمة الإطلاقات والاستثمارات المعلنة خلالها 44.2 مليار دولار.
ومن 6.4 مليارات دولار في نسخته الأولى، إلى 14.9 مليار دولار في النسخة الرابعة، لم تكن القفزة مجرد نمو في حجم الحدث، وإنما مؤشرًا على نمو الثقة الدولية في البيئة التقنية والاستثمارية السعودية، وعلى قدرة المملكة على جمع رأس المال والتقنية والابتكار وصنّاع القرار في مكان واحد.
لكن الرقم الأكثر دلالة، في رأيي، ليس الـ44.2 مليار دولار وحده.
الأكثر دلالة أن «ليب» الذي وُلد في الرياض عام 2022، غادرها في يوليو الماضي إلى هونغ كونغ عبر «LEAP East»، مستقطبًا أكثر من 25 ألف زائر و450 جهة عارضة وأكثر من 600 مستثمر.
وهنا تتغير زاوية المشهد تمامًا؛ فالمملكة التي كانت قبل سنوات تستقطب التجارب والفعاليات الدولية، باتت اليوم قادرة على صناعة منصة سعودية ثم تصديرها عالميًا. واختيار هونغ كونغ مقرًا للنسخة الآسيوية لثلاثة أعوام لا يمثل توسعًا جغرافيًا لمؤتمر وحسب، بل يحمل دلالة اقتصادية مهمة: الرياض أصبحت قادرة على بناء جسر تقني واستثماري بين الشرق الأوسط وآسيا.
وهذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن المشروع السعودي الأكبر الذي تقوده رؤية المملكة 2030، ولا عن الدعم المباشر الذي يحظى به قطاع التقنية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله –
فالمملكة اليوم لا تتعامل مع التقنية باعتبارها قطاعًا خدميًا مساعدًا للاقتصاد، بل باعتبارها أحد مكونات الاقتصاد الجديد وأدوات القوة والتنافس في عالم يتغير بسرعة مذهلة.
لقد تغير مفهوم القوة بين الدول… لم تعد الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي وحجم الاقتصاد وحدها كافية لصناعة النفوذ؛ فالبيانات قوة، والذكاء الاصطناعي قوة، ومراكز البيانات قوة، والحوسبة السحابية قوة، والأمن السيبراني قوة، والقدرة على جذب العقول ورؤوس الأموال والشركات المبتكرة أصبحت جزءًا أصيلًا من وزن الدول ومكانتها.
ومن هنا يمكن فهم سباق المملكة الكبير نحو هذه القطاعات… فحين تجتمع في الرياض شركات التقنية الكبرى، وصناديق الاستثمار، وآلاف المستثمرين والمبتكرين ورواد الأعمال، وحين تُعلن من أرضها استثمارات بمليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، فإن الأمر لا يتعلق بمعرض ينتهي بإغلاق أبوابه؛ بل ببناء منظومة تتراكم آثارها الاقتصادية والمعرفية عامًا بعد آخر.
ولعل اللافت في التجربة السعودية أنها لم تكتفِ باستقطاب الشركات العملاقة، وإنما فتحت الباب بالتوازي أمام الشركات الناشئة ورواد الأعمال والمواهب الشابة.
فقد ارتفع عدد الشركات الناشئة المشاركة من أكثر من 403 شركات في النسخة الأولى إلى أكثر من 680 شركة في النسخة الرابعة، فيما قفز عدد المستثمرين من أكثر من 330 مستثمرًا عام 2022 إلى 1,600 في النسخة الثالثة، وتستعد النسخة الخامسة لاستقبال أكثر من 1,900 مستثمر وممثل لصناديق الاستثمار الجريء.
وهذه الأرقام تعني أن الرياض لا تريد أن تكون سوقًا تستهلك التقنية فقط، بل بيئة تُنتج فيها الأفكار، وتلتقي فيها الشركات الناشئة برأس المال، وتتحول فيها الابتكارات إلى مشروعات، ثم إلى شركات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ولعل هذا هو التحول الأعمق الذي تعيشه المملكة… فمن يراقب المشهد السعودي خلال الأعوام الأخيرة، يلحظ أن الرياض أصبحت نقطة التقاء لمسارات متعددة في وقت واحد: السياسة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والسياحة والرياضة والثقافة والتقنية. وفي كل مسار تحاول المملكة ألا تكون مجرد مشارك في المشهد الدولي، بل طرفًا مؤثرًا في تشكيله. و«ليب» أحد الشواهد الواضحة على ذلك.
فحين يبدأ حدث من الرياض، ثم يجد لنفسه موطئ قدم في هونغ كونغ، وتتنافس الشركات والمستثمرون على الحضور إليه، فنحن أمام قوة ناعمة تقنية جديدة تضاف إلى أدوات الحضور السعودي عالميًا.
والأجمل أن النسخة الخامسة تأتي تحت شعار «إلى عوالم جديدة»، وهو شعار يبدو متسقًا إلى حد بعيد مع قصة المملكة نفسها؛ فالسعودية التي عرفها العالم لعقود بوصفها قوة طاقة واقتصاد وسياسة، تضيف اليوم إلى صورتها بعدًا آخر: دولة تستثمر في المستقبل، وتنافس على موقع متقدم في عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
واليوم مع إنطلاق النسخة الخامسة من «ليب» في الرياض، بمشاركة أكثر من ألف متحدث وخبير عالمي، وأكثر من 1,800 شركة تقنية، وأكثر من 600 شركة ناشئة، وما يزيد على 1,900 مستثمر وممثل لصناديق الاستثمار الجريء، فلن يكون السؤال المهم: كم شخصًا حضر؟
السؤال الأهم سيكون: كم فكرة وُلدت هنا؟ … وكم شركة انطلقت من هنا؟ … وكم استثمارًا اختار المملكة؟ … وكم شراكة بدأت في الرياض ثم امتد أثرها إلى العالم؟
هذه هي المعادلة الجديدة.
فالمدن الكبرى لا تُقاس فقط بعدد ناطحات سحابها أو مطاراتها وطرقها، وإنما بما تنتجه من أفكار، وما تجذبه من عقول، وما تصنعه من فرص، وما تملكه من قدرة على جمع العالم حول طاولة واحدة.
وقبل أربعة أعوام كان العالم يأتي إلى الرياض من أجل «ليب»… واليوم، «ليب» نفسه يذهب من الرياض إلى العالم.
وبين العبارتين مسافة تختصر الكثير من حكاية المملكة الجديدة.
همزة وصل:
حين تصنع الدول أحداثها، فهي تلفت الأنظار إليها، وحين تنجح في تصديرها إلى العالم، فهي تصنع أثرها فيه. و«ليب» لم يعد مجرد مؤتمرٍ تستضيفه الرياض، بل أصبح رسالة سعودية تقول إننا لم نعد ننتظر المستقبل لنرى ماذا يحمل لنا؛ بل نشارك في صناعته، ونستثمر فيه، ونفتح له من الرياض أبوابًا إلى العالم..
فالمكانة لا تُمنح للدول… بل تصنعها الدول لنفسها.






