اعتدنا أن نقيس جودة العمل بما أُضيف إليه؛ مزيد من الإجراءات و التقارير و الاجتماعات و التفاصيل التي توحي بأن المؤسسة تعمل بكامل طاقتها. غير أن الإدارة الحديثة أعادت النظر في هذه المعادلة، وطرحت سؤالًا أكثر نضجًا: ماذا لو كان بعض ما نفعله لا يستحق أن يُفعل أصلًا؟ من هذا السؤال تنطلق فلسفة الإدارة الرشيقة (Lean Management)؛ وهي فلسفة لا تدعو إلى تقليل العمل، وإنما إلى تنقيته من الهدر، بحيث لا يبقى في مسار العمل إلا ما يصنع قيمة حقيقية. وهنا تحديدًا تكمن قوة Lean؛ إنها تعيد مساءلة المألوف. فالوقت الذي يُهدر مورد، والانتظار هدر، وتكرار العمل هدر، وسوء توزيع الجهد هدر، وتعقيد الإجراء دون ضرورة هدر. وحتى الكفاءات البشرية حين تُستهلك في أعمال لا توازي قدراتها، فإن المؤسسة تهدر أثمن ما تملك دون أن يظهر ذلك في قوائم المصروفات. ولا تعني الرشاقة الإدارية أن نطالب الموظف بالمزيد، أو أن نقلل الموارد ثم نرفع سقف التوقعات؛ بل أن نزيل من أمام الإنسان ما يستنزف جهده دون قيمة، حتى يتجه هذا الجهد إلى المكان الذي يستحقه. ولهذا ترتبط Lean بمفهوم التحسين المستمر (Kaizen)؛ فلا يوجد إجراء مقدس لمجرد أنه قديم، ولا طريقة مثالية إلى الأبد لمجرد أنها نجحت سابقًا. كل مسار قابل للمراجعة، وكل خطوة قابلة للتحسين، وكل هدر يمكن اكتشافه اليوم قبل أن يتحول غدًا إلى ثقافة يصعب تغييرها. وربما تكون إحدى أكثر الأفكار نضجًا في الإدارة أن التطوير ليس مرادفًا للإضافة دائمًا. أحيانًا يكون التطوير في حذف خطوة، واختصار إجراء، وإلغاء اجتماع، وتفويض قرار، وإيقاف ممارسة استمرت سنوات دون أن يسأل أحد عن قيمتها. وهنا تختصر Lean فلسفتها كلها: لا تسأل فقط ماذا يمكن أن نضيف إلى العمل ليصبح أفضل؛ اسأل أيضًا ماذا يمكن أن نحذف منه ليصبح أذكى. فالعمل الرشيق لا يحتفي بكثرة الحركة، وإنما بدقة الوصول؛ لأن الكفاءة الحقيقية ليست أن تبذل جهدًا أكبر في الطريق نفسه، بل أن تملك من الوعي ما يجعلك تستغني عن كل خطوة لا تقرّبك من الغاية…
0


