المقالات

عضوية مجلس الادارة ودورها المحوري

مع كل سباق انتخابي لمجالس الإدارات، تتجه أغلب الرسائل والنصائح التوعوية إلى المساهم صاحب حق التصويت، على سبيل المثال نسمع كثيرًا أن الصوت أمانة، واختيار المرشح مسؤولية، وأن أصوات المساهمين لا ينبغي أن تكون محل مجاملة أو مساومة لمنصب أو متاجرة بالمال، ولا نختلف بأهمية تلك الرسائل وغيرها من الجرعات التوعوية، لأن قرار المساهم ينعكس مباشرة على حاضر ومستقبل الشركة، ومصالح ملاكها وموظفيها وكل من يرتبط بها.
لكن ثمة عنصر يسبق لحظة التصويت ولا يقل أهمية، إنه المرشح لعضوية مجلس الإدارة، مع إيماننا بأن الترشح حق مشروع كفله النظام لكل من تنطبق عليه الشروط، ولا يجوز الانتقاص من هذا الحق أو التضييق عليه، لكن مشروعية الحق لا تعفي صاحبها من مراجعة نفسه بصدق، بسؤال جوهري ينبغي أن يطرحه قبل أن يطلب ثقة المساهمين: هل أمتلك فعلًا ما تحتاجه الشركة في هذه المرحلة؟
مع الأخذ في الاعتبار أن عضوية مجلس الإدارة ليست وجاهة اجتماعية، ولا لقبًا إضافيًا في السيرة الذاتية، ولا مكافأة على سنوات الحضور أو اتساع العلاقات المجتمعية، بل هي تكليف ثقيل ومسؤولية ائتمانية، تتطلب فهماً متجدداً لطبيعة الأعمال، وقدرة فائقة على قراءة المتغيرات، وشجاعة في اتخاذ القرارات، واستعداداً صادقاً لتقديم مصلحة الشركة على أي اعتبارات شخصية أو فئوية.
دعونا نكون صريحين: باعتبار النزاهة والأمانة شرطان لا غنى عنهما، لكنهما وحدهما لا يكفيان لقيادة شركة في سوق سريع التغير، ومنافسة لا تنتظر المترددين، مع أن حسن النية مهم، بلا شك، لكنه لا يغني عن الفهم والقدرة والاستعداد الحقيقي للمسؤولية.
وبنظرة شمولية على الأسواق المتجددة بوتيرة متسارعة، ونماذج الأعمال وتغيراتها، وتقنيات تعيد تشكيل القطاعات، وارتفاع سقف طالبي الخدمة من العملاء، مع تعرض هوامش الربح لضغوطات قوية، تزداد مع دخول منافسون جدد، بأفكار أكثر مرونة وكفاءة.
وفي بيئة كهذه، لا يكفي أن يكون عضو مجلس الإدارة حسن النية أو مشهوداً له بالاستقامة، مع أهمية ذلك، لكن المطلوب أيضاً أن يستوعب الواقع، ويحلل المخاطر وينتهز الفرص، ويسأل الإدارة التنفيذية بنقاشات صحيحة، مدعومة باتخاذ قرارات جوهرية، تحفظ تنافسية الشركة واستدامتها.
ومن وجهة نظري هنا مربط الفرس: إذ ليس كل من يرغب في خدمة الشركة هو بالضرورة الأنسب لعضوية مجلسها في كل مرحلة. فلكل مرحلة متطلبات، ولكل شركة تحدياتها المختلفة، ولكل مجلس فجوات معرفية ومهارات ينبغي تداركها، وقد تكون الخدمة الأصدق أحياناً في إفساح المجال لمن لديه القدرة بالإضافة، لا أن يكون عبئاً معطلاً لنمو الشركة.
وهنا رسالة إلى كل من يفكر في الترشح: إن كنت لا ترى في نفسك القدرة على فهم ما يجري في السوق، أو متابعة تحولات القطاع، أو الانتقال من الفكر التقليدي إلى الفكر العصري الأكثر مرونة وتطوراً، فلتكن لديك الشجاعة بإفساح المجال لمن هو أقدر، وليضع مصلحة الكيان في مقدمة اهتماماته، وليس في ذلك انتقاصاً لك، ولا تقليلاً من تاريخك أو مكانتك أو نواياك الطيبة، بل هو من أعلى صور الإيثار، ومن أنبل معاني المسؤولية تجاه الشركة ومساهميها.
ولنضع في الاعتبار أن المجلس الناجح لا يُبنى على التشابه، بل على تكامل الخبرات. فيه من يفهم الأمور المالية والحوكمة، ومن يقرأ السوق والعملاء، ومن يدرك التحول الرقمي والتقني، ومن يمتلك خبرة تشغيلية واستراتيجية؛ لمناقشة الإدارة التنفيذية بوعي واستقلالية.
لكن وجود الخبرات المتنوعة في المجلس لا يكفي وحده؛ فالمجلس لا يثبت قيمته بكثرة القرارات التي يعتمدها، وإنما بجودة القرارات بعد أن تمر من أمامه. والمجلس الذي لا يضيف إلى القرار سوى ختم الموافقة قد يكون مستوفياً لإجراءاته، لكنه لم يستنفد بعد القيمة التي وُجد من أجلها. لذا ينبغي أن يكون السؤال عن القيمة المضافة أكثر حضوراً من السؤال عن النشاط: ما الذي أضافه المجلس هذا العام ولم تكن الإدارة قادرة على إضافته وحدها؟ هنا تكمن القيمة الحقيقية.
ولا يعني ذلك أن الخبرة تُقاس بعدد السنوات أو كثرة المناصب السابقة فقط. فقد يمتلك شخص خبرة طويلة، لكنه لم يعد مواكباً لأدوات السوق ومتغيراته. وفي المقابل، قد يكون شخص آخر أقل حضوراً في المشهد، لكنه يحمل معرفة عميقة بالقطاع، وقدرة تحليلية عالية، ورؤية جديدة، واستعداداً جاداً للإضافة. وهنا يتضح المعيار الحقيقي للمرشح لعضوية المجلس: من يستطيع أن يضيف قيمة ملموسة إلى المجلس، ويعين الشركة على اتخاذ قرارات أفضل؟
ومن المهم أن يواجه المرشح نفسه ببعض الأسئلة دون تجميل: هل أستطيع تخصيص الوقت الكافي؟ هل أقرأ التقارير وأفهمها؟ هل أمتلك استقلالية الرأي عندما تتعارض المصالح؟ هل أستطيع الاعتراض المهني عند الحاجة؟ وهل أمتلك الشجاعة لأقول: «لا أعلم»، ثم أتعلم، بدلًا من ممارسة دور شكلي لا يخدم الشركة؟
وهذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل هي جوهر الحوكمة الرشيدة. فالحوكمة الحقيقية لا تقاس بعدد الأبواب التي تضعها أمام القرار، وإنما بقدرتها على وضع الباب الصحيح أمام القرار الصحيح وفي اللحظة الصحيحة. وقد يكون أعظم إنجاز لعضو المجلس أو للجنة المخاطر أزمة لن يسمع بها أحد، وأغلى قرار اتخذه المجلس استثماراً لن يظهر أبداً في التقارير لأنه لم يُنفذ. وهنا تكمن القيمة الصامتة للحوكمة؛ قيمة لا تصنع ضجيجاً لأنها نجحت قبل أن تقع الواقعة.
قد تكون الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة أهم من أي برنامج انتخابي أو وعود عامة، ولنضع في الاعتبار أن العضو الفاعل لا يحضر الاجتماعات فحسب؛ بل يستعد لها، ويقرأ، ويستفسر، ويناقش، ويتحمل مسؤوليته عندما يحين وقت القرار.
وما سطرته ليس طعناً في أمانة المرشحين ولا في حرصهم، والأصل حسن الظن بكل من يتقدم لخدمة شركته، لكن حسن النية يجب أن يجتمع مع الكفاءة، والحرص يجب أن يرافقه وعي، والأمانة يجب أن تُترجم إلى قرار مسؤول، فنتائج قرارات مجلس الإدارة لا تقف عند أعضائه، بل تمتد إلى المساهمين والموظفين والعملاء والشركاء، وإلى سمعة الشركة ومستقبلها.
فالحوكمة ليست ما نكتبه عن المؤسسة، بل ما تغيّره داخلها. وليست في عدد الضوابط التي تحاصر القرار، بل في مقدار الحكمة التي تضيفها إليه. وليست غايتها أن تبدو المؤسسة أكثر انضباطاً على الورق، بل أن تصبح أكثر حصافة في القرار، وأكثر مناعة أمام المخاطر، وأكثر قدرة على حماية القيمة، وأكثر استحقاقاً للثقة.
وفي الختام، تبقى النصيحة لكل مرشح بسيطة وصريحة: ترشح إن كنت قادراً على الإضافة، وقادراً على التعلم، وقادراً على مواجهة متغيرات المرحلة، أما إذا شعرت أن غيرك أقدر وأجدر، فإفساحك له المجال ليس تراجعاً، بل مساهمة أصيلة في حماية الشركة وحقوق مساهميها وطالبي الخدمة من العملاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى