لم تكن الرياض في تلك الليلة تعلم أن الفجر الذي ينتظرها لن يكون كغيره من الفجرات.
كان الليل يلفّ المدينة بسكونه، فيما كان عبدالعزيز بن عبدالرحمن يتقدم نحوها بقلبٍ يحمل أكثر مما تحتمل خطواته؛ يحمل ذكرى وطن، وحلمًا باستعادة المجد، وإيمانًا بأن الطريق الطويل يبدأ بخطوة.
وفي الساعات التي سبقت الفجر، اقتربت الخطوات من قلب المدينة، حتى جاءت اللحظة التي تغيّر فيها وجه التاريخ.
*استُعيدت الرياض.*
وقد يبدو الخبر في سطرٍ من كتاب: استرد عبدالعزيز الرياض في الخامس من شوال سنة 1319هـ، الموافق الخامس عشر من يناير عام 1902م.
لكن التاريخ لا يُكتب دائمًا في السطور؛ أحيانًا يُكتب في الظلام، وتكتبه خطوات رجالٍ لا يعرفون ماذا سيقول عنهم الذين سيأتون بعدهم.
ومن الرياض بدأت الحكاية.
لم تكن المملكة التي نعرفها اليوم قد وُلدت بعد، ولم تكن حدودها قد امتدت؛ كان هناك رجل، ومدينة، وحلم.
ثم أخذ الحلم يكبر.
لم تكن الرياض نهاية الطريق، بل كانت بدايته. فمنها امتدت مسيرة التوحيد إلى أرجاء الجزيرة، وتوالت مراحلها من نجد والقصيم إلى الأحساء، ثم الحجاز ومناطق الجنوب وسائر أرجاء البلاد.
لم يكن التوحيد خريطة تُرسم بقلم، وإنما رحلة شاقة، فيها أيام من القتال وأيام من الصلح، حتى أخذت الأجزاء المتباعدة تلتقي تحت راية واحدة.
وكان عبدالعزيز يدرك أن جمع الأرض أسهل من جمع القلوب؛ فالدولة لا تُبنى باتساع رقعتها وحده، وإنما بالأمن والاستقرار، وبأن يشعر أهلها أن لهم وطنًا واحدًا ومصيرًا واحدًا.
وفي كل أرضٍ تدخل في مسيرة التوحيد، لم يكن يضاف إلى الخريطة مكان فحسب؛ كانت تضاف صفحة جديدة إلى حكاية الوطن.
وهكذا، خطوة بعد خطوة، ومدينة بعد مدينة، ومنطقة بعد منطقة، كانت الحكاية تمضي نحو موعدها الكبير.
حتى جاء عام 1351هـ.
في السابع عشر من جمادى الأولى، الموافق التاسع عشر من سبتمبر عام 1932م، صدر الأمر الملكي بتوحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية، وحدد الملك عبدالعزيز يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى، الموافق الثالث والعشرين من سبتمبر، يومًا لإعلان قيام المملكة.
وهنا اكتملت ملامح الحكاية.
لم تعد الرياض وحدها هي البداية، ولا كانت المناطق المتفرقة مجرد جغرافيا تتجاور؛ لقد أصبح لها اسم واحد، وراية واحدة، ووطن يجمع أبناءها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح الثالث والعشرون من سبتمبر موعدًا تتجدد فيه ذاكرة الوطن.
وحين نحتفل باليوم الوطني، فإننا لا نستعيد تاريخًا مضى فحسب؛ بل نستعيد قصة البداية.
نعود بذاكرتنا إلى الرياض، إلى تلك الليلة البعيدة، إلى رجلٍ آمن بأن وطنًا يمكن أن يولد من حلم، وأن الحلم إذا صدق صاحبه، وتحمل لأجله المشاق، قد يصبح حقيقة تعيشها أجيال بعده.
ننظر اليوم إلى المملكة العربية السعودية، فنرى خلف حاضرها قصة الأمس؛ قصة رجل بدأ من الرياض، ثم اتسعت خطاه حتى اتسع الوطن.
ولهذا، فإن اليوم الوطني ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل لحظة نتذكر فيها كيف تحوّل الحلم إلى دولة، وتحولت الدولة إلى وطن يسكن القلوب.
وطنٌ بدأ من الرياض… واتسع حتى أصبح المملكة العربية السعودية.
حفظ الله وطننا، وأدام عليه أمنه وعزه واستقراره، ورحم الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن ورجال التوحيد الذين أسهموا في بناء هذا الكيان، ووفق أبناء هذا الوطن لمواصلة مسيرة البناء والعطاء.
واليوم، يواصل الوطن مسيرته بثبات وثقة، حتى أصبح يزاحم الدول العظمى بحكمة قيادته السلمانية، ورؤية ولي عهده، عرّاب رؤية المملكة 2030. وبفضل هذه القيادة الطموحة، أصبحت المملكة العربية السعودية مفخرة في مختلف المجالات، ونموذجًا عالميًا في التنمية والنهضة والابتكار، وحضورًا مؤثرًا بين دول العالم.






