ليس أعظم في قلب المؤمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أكرم عليه من سنته، ولا أحب إليه من هديه وطريقته. ومَن صدقت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يكتفِ بالدعوى، بل جعل الاتباع برهان المحبة، والتأسي به عنوان الصدق.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
ومن هنا يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن تهرب منه العاطفة: هل كان الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم معروفًا عند أصحابه، أو عند الخلفاء الراشدين، أو عند أمهات المؤمنين، أو عند التابعين وتابعيهم، وهم أعلم الناس بهديه وأشدهم حبًا له؟
لقد عاش أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، ورأوا ابتسامته وبكاءه، وسمعوا حديثه، وشهدوا عبادته وجهاده، ونقلوا دقائق سنته، وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل نصرته ونصرة دينه. ومع ذلك لم يُنقل عن أحد منهم أنه جعل يوم مولده موسمًا للاحتفال.
وعاش الخلفاء الراشدون بعده رضي الله عنهم، وهم من أحرص الناس على الخير وأشدهم اتباعًا لسنته، فلم يُعرف عن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي رضي الله عنهم أنهم احتفلوا بمولده صلى الله عليه وسلم.
بل لم ينقل عن جده عبدالمطلب أنه احتفل بمولده
ولا أمه آمنة بنت وهب
ومضت القرون المفضلة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، ولم يُعرف فيها هذا الاحتفال بالصورة التي عُرف بها في عصور متأخرة.
بل إن أهل السيرة والتاريخ اختلفوا في تحديد اليوم الذي وُلد فيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان الثابت أنه وُلد يوم الاثنين، كما ثبت في صحيح مسلم حين سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم وُلدت فيه».
وهذا الاختلاف في تحديد اليوم نفسه يجعل تخصيص يوم بعينه من كل عام بشعيرة مخصوصة أمرًا يحتاج إلى دليل بيّن.
المحبة ليست إضافةً إلى الدين
إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست شعارًا يُرفع في موسم، ولا كلمات تُقال في ليلة، وإنما هي عبادة ممتدة مع امتداد العمر.
فالمحب الصادق هو الذي يصلي كما صلى، ويصوم كما صام، ويتصدق كما تصدق، ويعدل كما عدل، ويرحم كما رحم، ويقف عند حدود الله كما وقف، ويعظم سنته كما عظمها أصحابه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
فالدين قد اكتمل، والنعمة قد تمت، والرسول صلى الله عليه وسلم قد بلّغ البلاغ المبين، ولم يترك أمته حائرة في أبواب القربات، بل دلها على كل خير وحذرها من كل شر.
ولو كان الاحتفال بمولده عبادةً يتقرب بها إلى الله، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من دل أمته عليها، ولكان أصحابه أول من بادر إليها، ولكانت القرون المفضلة أحرص الناس عليها.
أين كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
كانوا يعرفون قدره أعظم مما نعرف، ويحبونه حبًا لا تبلغه الكلمات.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه بذل ماله وصحب رسول الله في أشد المواقف، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقام العدل وحفظ الدين، وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه بذل ماله ونفسه، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه نام في فراشه وفدى رسول الله بنفسه.
فأيُّ محبة أعظم من محبة رجل يضع صدره أمام السيوف دفاعًا عن رسول الله؟
وأيُّ اتباع أصدق من اتباع رجال حملوا سنته، ونشروها، وجاهدوا من أجلها، ثم عاشوا وماتوا ولم يجعلوا يوم مولده عيدًا أو موسمًا تعبديًا؟
إن القضية ليست في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهذه لا يماري فيها مسلم. وإنما القضية: هل نعبده بما شرع، أم نتقرب إلى الله بما لم يشرع؟
متى ظهر الاحتفال بالمولد؟
الاحتفال بالمولد بهذه الصورة لم يكن معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه، وإنما ظهر في عصور متأخرة، واشتهر في بعض الدول والبيئات الإسلامية، ثم توسع حتى صار عند بعض الناس موسمًا دينيًا ثابتًا.
ولهذا قرر علماء كثيرون من أهل السنة أن تخصيص يوم المولد باحتفال تعبدي من البدع؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن القرون المفضلة.
ولا يعني ذلك بحال أن المسلم لا يذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو لا يصلي عليه، أو لا يتحدث عن شمائله ومناقبه؛ بل إن معرفة سيرته، وتعظيم سنته، والإكثار من الصلاة والسلام عليه من أجلِّ القربات.
لكن الفرق كبير بين دراسة السيرة وتعليم السنة في كل وقت، وبين تخصيص يوم معين من كل عام بشعيرة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.
وأعظم الاحتفال به: اتباعه
إن أردنا أن نحتفل برسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا، فلنحتفل به في بيوتنا بسيرته، وفي مدارسنا بسنته، وفي أخلاقنا بأخلاقه، وفي عباداتنا بهديه.
لنحيي الصدق الذي جاء به، والرحمة التي دعا إليها، والعدل الذي أقامه، والتوحيد الذي بعث به.
لنُعلّم أبناءنا كيف كان صلى الله عليه وسلم يعامل الصغير، وكيف يرحم الضعيف، وكيف يعفو عمن ظلمه، وكيف يقوم الليل، وكيف يصوم، وكيف يتواضع، وكيف يكون الزوج والأب والقائد والمربي.
فهذا هو الاحتفال الذي لا ينتهي بانتهاء ليلة، ولا يحتاج إلى موسم، ولا يرتبط
يا من تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا تجعل محبتك له بابًا لمخالفة هديه، ولا تجعل العاطفة تغنيك عن الدليل.
اسأل نفسك بصدق: لو كان هذا العمل خيرًا يتقرب به إلى الله، أما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس ببيانه؟ وأما كان أصحابه أولى الناس بفعله؟
إن أعظم الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصدقه فيما أخبر، ونطيعه فيما أمر، وننتهي عما نهى عنه وزجر، وألا نتعبد الله إلا بما شرع.
فالمحبة الصادقة ليست أن نضيف إلى سنته ما ليس منها، وإنما أن نبحث عن سنته فنلزمها، وعن هديه فنقتفيه، وعن طريقه فلا نحيد عنه.
اللهم ارزقنا حب نبيك صلى الله عليه وسلم، وحسن الاقتداء به، والثبات على سنته، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا






