تطل علينا بين حين وآخر حملات تحاول أن تجعل من الحجاب قضيةً للتحرر، وتقدم التخلي عنه باعتباره خطوة ضرورية في طريق تمكين المرأة وتقدم المجتمع.
وهنا يحق لنا أن نسأل، بكل هدوء ووضوح:
ما علاقة الحجاب بالتنمية؟
هل سيؤدي نزع الحجاب إلى زيادة الإنتاج الوطني؟
هل سترتفع جودة التعليم؟
هل ستتقدم جامعاتنا في التصنيفات العالمية؟
هل ستنخفض البطالة؟
هل ستتراجع معدلات الطلاق والتفكك الأسري؟
هل ستختفي المشروعات المتعثرة؟
هل سيولد بعده جيل أكثر إبداعًا وابتكارًا؟
وهل أصبحت المجتمعات التي سبقتنا إلى نزع الحجاب أكثر أمنًا واستقرارًا وأخلاقًا بالضرورة؟
هذه ليست أسئلة استفزازية، وإنما أسئلة منطقية أمام خطاب يحاول أن يربط بين أمرين لا علاقة سببية ظاهرة بينهما: نهضة المجتمع ولباس المرأة.
الحجاب ليس تقليدًا اجتماعيًا اخترعه المجتمع، ولا موضة قابلة للتغيير، وإنما هو حكم شرعي جاءت به نصوص القرآن والسنة، واستقر عليه فهم علماء المسلمين.
قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
ومن هنا فإن تحويل الحكم الشرعي إلى مجرد “خيار شخصي” ليس نقاشًا في قطعة لباس، وإنما إعادة تعريف لعلاقة المسلم بأحكام دينه.
ومن حق من يخالف أن يناقش ويطرح الأسئلة، لكن ليس من الإنصاف أن يُصوَّر الالتزام بالحجاب على أنه تخلف، وأن يُقدَّم التخلي عنه على أنه شهادة تقدم.
المرأة السعودية لا تحتاج إلى خلع حجابها كي تنجح
لقد أثبتت المرأة السعودية خلال السنوات الماضية أنها قادرة على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية.
تعلمت، وعملت، وأدارت، وأبدعت، ودخلت مجالات كانت محدودة الحضور فيها، وأصبحت شريكًا واضحًا في التنمية الوطنية.
وكانت رؤية المملكة 2030 محطة مهمة في توسيع مجالات مشاركة المرأة وتمكينها.
لكن تمكين المرأة لا يعني نزع هويتها.
فالمرأة تستطيع أن تكون طبيبة، وأستاذة جامعية، ومهندسة، ورائدة أعمال، وقائدة في مجالها، ومبدعة في التقنية، وهي في الوقت نفسه محافظة على دينها وحجابها.
فلماذا يُراد إقناعها بأنها مطالبة بالاختيار بين النجاح والاحتشام؟
هذه معادلة مصطنعة لا ضرورة لها.
إذا كان الحجاب هو المشكلة… فأين الدليل؟
من أغرب ما في بعض الخطابات التي تتحدث عن الحجاب أنها تضعه في مقدمة مشكلات المجتمع، وكأن خلع المرأة لحجابها سيحل ما عجزت عنه خطط التنمية ومراكز البحث والجامعات والمختبرات.
فهل سيجعل كشف الوجه الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء؟
هل سيزيد الإنتاج الصناعي؟
هل سيحل أزمة السكن؟
هل سيطور التعليم؟
هل سيعالج البطالة؟
هل سيمنع الجريمة؟
هل سيبني اقتصادًا معرفيًا؟
بالطبع لا.
فالنهضة تُبنى بالعلم، والعمل، والإنتاج، والانضباط، والبحث العلمي، وحسن الإدارة، والاستثمار في الإنسان.
أما اختزالها في لباس المرأة، فهو انشغال عن جوهر النهضة بقشورها.
لا نريد نهضة تستنسخ الآخرين
نحن لسنا ضد التطوير.
نحن مع التعليم المتقدم، والاقتصاد القوي، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، وتمكين المرأة، وكل ما يرفع شأن الوطن.
لكننا نرفض أن يصبح التطوير مرادفًا للتخلي عن الدين والقيم.
فالأمم المتقدمة لا تتقدم لأنها تخلت عن هويتها، وإنما لأنها أحسنت استثمار الإنسان والعلم والموارد.
وليس مطلوبًا من المجتمع السعودي حتى يثبت أنه متحضر أن يتحول إلى نسخة من مجتمع آخر.
لدينا ديننا، وثقافتنا، وتاريخنا، وقيمنا، وذوقنا العام.
ومن حقنا أن نعتز بها.
المرأة لها حقوقها… والإسلام سبق العصر في تقريرها
ومن المهم ألا تُقدَّم قضية المرأة وكأنها بدأت مع الحملات الحديثة.
لقد كفل الإسلام للمرأة حقوقًا أصيلة: في التملك، والميراث، والذمة المالية، والكرامة، والزواج، والتعليم، وغيرها من الحقوق التي جاءت الشريعة بإقرارها وضبطها.
ثم جاءت الأنظمة في المملكة لتنظم الحقوق والواجبات وتحميها في إطار الشريعة ومصالح المجتمع.
لذلك فإن القول إن المرأة لا تحصل على حقوقها إلا إذا تخلت عن حجابها هو ربط لا يستقيم.
المرأة السعودية تستطيع أن تكون قوية دون أن تتخلى عن دينها، وناجحة دون أن تتخلى عن احتشامها، وعصرية دون أن تتخلى عن هويتها.
ومن حق المجتمع أن يحمي قيمه
المجتمع ليس مجموعة أفراد منفصلين لا علاقة لأحدهم بالآخر.
هناك أسرة، وأبناء، وبنات، وتربية، وقدوة، وذوق عام، ومنظومة أخلاقية.
ولهذا فإن ما يُطرح في الفضاء العام لا يمكن دائمًا اختزاله في عبارة “حرية شخصية”.
فالحرية مسؤولية، وكلما كان أثر السلوك متجاوزًا للفرد إلى الأسرة والمجتمع، أصبح النقاش المجتمعي حوله مشروعًا.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فلا ينبغي أن تتحول إلى أداة لفرض التغيير بالقوة الناعمة على مجتمع بأكمله.
نحن مع حرية التعبير وفق إطار ديننا وعاداتنا وتقاليدنا المتسقة مع الشرع والحوار الهاديء مشروع لكننا نرفض أن تتحول الحملات الرقمية إلى وسيلة ضغط لإعادة صياغة ثوابت المجتمع بعيدًا عن الحوار العلمي والشرعي والمجتمعي الرصين.
أين العلماء والعقلاء؟
إن مواجهة هذه الدعوات لا تكون بالصمت، ولا بالتشهير، ولا بالإساءة إلى المخالف.
بل تكون بالعلم والحجة والحوار.
نحتاج إلى العلماء في شاشاتنا ومنصاتنا وصحفنا ومساجدنا.
نحتاج إلى خطاب شرعي يفهم لغة العصر، ويجيب عن أسئلة الشباب، ويفصل بين الحكم الشرعي وبين العادات الاجتماعية، ويقدم الدليل بعيدًا عن الانفعال.
ونحتاج كذلك إلى إعلام مسؤول لا يحول القضايا الدينية والاجتماعية الكبرى إلى مجرد معارك لجذب المشاهدات.
فإذا كان هناك من يريد أن يناقش الحجاب، فليكن النقاش علميًا، هادئًا، صريحًا.
أما أن تتحول المسألة إلى حملة شعواء تتعامل مع الحجاب باعتباره رمزًا للتخلف، فهنا لا بد من وقفة.
لا تجعلوا الحجاب ثمنًا للمستقبل
المملكة تتقدم.
والمرأة تتقدم.
والاقتصاد يتطور.
والتقنية تتسارع.
والأبواب أمام الأجيال الجديدة تتسع.
فلماذا نضع الحجاب في منتصف الطريق؟
لماذا نجعل المرأة مطالبة بأن تختار بين المستقبل ودينها؟
إن المستقبل لا يحتاج إلى خلع الحجاب.
والعلم لا يحتاج إلى كشف الشعر.
والاقتصاد لا يحتاج إلى تغيير هوية المرأة.
والذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى أن تتحول المرأة إلى صورة بلا خصوصية.
نحن نريد امرأة تصنع المستقبل، لا امرأة تتخلى عن ماضيها كي تدخل إليه.
نريدها متعلمة، منتجة، مبدعة، قوية، واثقة بنفسها، معتزة بدينها، محافظة على كرامتها واحتشامها.
نريد وطنًا يأخذ من العصر علمه وتقنيته وإنتاجيته، لا أن يستورد منه بالضرورة كل قيمه وعاداته.
فالحجاب ليس عقبة أمام النهضة.
والمرأة المسلمة ليست مطالبة بأن تخلع دينها حتى تثبت أنها حرة.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام هذه الحملات:
إذا كان خلع الحجاب طريقًا إلى التقدم… فأين الدليل؟
أما نحن، فنؤمن أن الطريق إلى المستقبل لا يمر فوق ثوابتنا، وإنما يمكن أن نمضي فيه بديننا، وهويتنا، وقيمنا، وثقتنا بأنفسنا.





