حوارات خاصة

اللواء خالد بن شويل .. من عرين الأسود إلى عُمق الاستراتيجية: قائدٌ عسكري يروي سيرة الميدان ويكشف خرائط النفوذ

الباحة – من قرية “العبالة” في ربوع الباحة إلى ميادين القيادة والعمل العسكري امتدت مسيرة اللواء الركن المتقاعد الدكتور خالد بن سفر شويل الغامدي لأكثر من أربعة عقود جمع خلالها بين الخبرة الميدانية والتأهيل الأكاديمي في الدراسات العسكرية والاستراتيجية والجماعات المسلحة والحرب بالوكالة.

في هذا اللقاء مع “صحيفة مكة الإلكترونية” ضمن حلقات سلسلة “مواقف ومذكرات أمنية” يستعيد الدكتور الغامدي محطات من طفولته وتكوينه العسكري ويتحدث عن أبرز تجاربه القيادية ويقدم رؤيته للمشهد الإقليمي وتحولات النفوذ والأمن ودور المملكة في صناعة الاستقرار إلى جانب حديثه عن الإعلام والوعي الوطني والقدوة والقيم ورسالة الإنسان التي تبقى بعد انتهاء المناصب.

– عرّف القراء الكرام باسمك كاملاً، ومكان ولادتك ونشأتك وحياة طفولتك؟

أنا اللواء الركن الدكتور خالد بن سفر شويل الغامدي. وُلدت ونشأت في قريتي “العبالة” احدى القرى الصغيرة التابعة لبني ظبيان التابعة لقبيلة غامد، حيث تشكّلت ملامح طفولتي الأولى في بيئة قروية بسيطة، لكنها ثرية بقيم التراحم والتكافل والانتماء. كانت القرية تجمع بين صلابة الجبال واتساع الوادي، وكأن طبيعتها تغرس في أهلها القوة في المواقف، واللين في المعاملة، وسعة العطاء.
عشت طفولتي في مجتمع متماسك، يجد فيه الناس بعضهم في بعض؛ تتقاطع الحاجات كما تتقاطع الطرق، ويغدو الاعتماد المتبادل ضرورة حياة، لا مجرد قيمة اجتماعية. وكان العالم يصل إلينا في نطاق محدود عبر الراديو وحكايات العائدين من المدن، بما يحفظ للقرية بساطتها وهويتها، ويبقي فضولها حياً.
ومع التحولات الاجتماعية والتنموية تبدلت ملامح الحياة، وتراجعت بعض صور الترابط التي عرفناها في الماضي، لكن أثر تلك المرحلة بقي راسخاً في شخصيتي وتكويني. ومنذ عام 2012، عندما انتقلت والدتي، رحمها الله، إلى مدينة جدة للعلاج ثم رحلت إلى رحمة الله، لم تعد علاقتي بالقرية جغرافية فحسب؛ بل غدت مرتبطة بذاكرة الأم والبدايات والأصوات والوجوه التي صنعتني. ولذلك، فإن قريتي ليست مجرد مكان ولادة ونشأة، بل مرآة لهويتي وجذر عميق لانتمائي ودرس دائم في أثر البيئات البسيطة في صناعة الإنسان.
وقد أنعم الله عليّ بابنتين؛ إحداهما استشارية في الجراحة، والأخرى تعمل في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية، وهو ما أعتز به امتداداً لمسيرة الأسرة في العلم والمسؤولية وخدمة الوطن.

– أين تلقيت تعليمك في جميع مراحلك الدراسية؟

تلقيت تعليمي العام في مدارس المنطقة “إبتدائية وادي العلي، متوسطة وثانوية النجاح”، التي كانت تتمتع آنذاك بمستوى عالٍ من المهنية التعليمية وجودة المخرجات. وأسهم في ذلك حرص والديّ، رحمهما الله، على تعليمنا ومتابعتهما الدقيقة لمسيرتنا الدراسية، إلى جانب وجود نخبة من المعلمين الأفاضل من أبناء الوطن ومن الأشقاء العرب، ممن جسدوا الإخلاص في أداء رسالتهم وحمل الأمانة التربوية.
ولا أنسى في هذا المقام معلمي الجليل والمربي القدير في الصف الأول الابتدائي الأستاذ علي يحيى الفاران، رحمه الله، الذي كان نموذجاً للمربي الفاضل، كما أذكر مدير ثانوية النجاح، الأستاذ المربي الشيخ محمد بن عبد الله آل غنام الغامدي، أمدّ الله في عمره. وهما من الشخصيات التي تركت أثراً مباشراً في تكويني المعرفي والسلوكي، فضلاً عن عدد كبير من المعلمين والمربين الذين أُكن لهم كل التقدير والوفاء.
بعد ذلك، شرّفني الله بالقبول في كلية الملك عبد العزيز الحربية، «عرين الأسود»، فكان ذلك تحقيقاً لطموحي الأول بفضل الله. حيث أمضيت فيها ثلاثة أعوام من الدراسة والتدريب، وعشقت فيها ما تميزت به من برامج علمية وعسكرية وتدريبية مكثفة، كان لها أثر بالغ في صقل شخصيتي وإعدادي لتحمل المسؤولية. وقد كان يقود الكلية آنذاك نخبة من القادة، في مقدمتهم قائد الكلية اللواء الركن عبد العزيز بن عبد الله الدغيم، ومساعده العميد الركن عبد الله محمد أمسواري الغامدي، رحمهما الله؛ فقد كانا قدوة في السلوك والأخلاق والقيادة، ثم تحقّق طموحي الثاني بالانضمام إلى سلاح المدرعات في القوات البرية الملكية السعودية، وهو السلاح الذي قضيت فيه معظم مسيرتي العسكرية.

– لماذا اتجهت إلى السلك العسكري؟

اتجهت إلى السلك العسكري بدافع حب عميق لخدمة الوطن ومقدساته ومقدراته وقيادته الرشيدة. فقد تربينا في مجتمع وأسرة ترى أن كل عمل يُؤدّى بإخلاص هو خدمة للوطن، وأن شرف الدفاع عنه والذود عن أمنه من أسمى صور المسؤولية والواجب. ومن هنا بدأت الرغبة، ثم تعززت حتى أصبحت مساراً للحياة.

– أين قضيت خدمتك العسكرية منذ تخرجك من الكلية حتى تقاعدك؟

قضيت مسيرتي العسكرية في معظم مناطق وطننا الغالي، متنقلاً بين المنطقة الجنوبية، والمنطقة الشمالية، والمنطقة الشرقية، والمنطقة الشمالية الغربية، ثم المنطقة الجنوبية مرة أخرى، وصولاً إلى المنطقة الوسطى. وقد امتدت هذه المسيرة لأكثر من اثنين وأربعين عاماً، وهي سنوات أعتز بما حملته من واجبات ومسؤوليات وخبرات وطنية ومهنية متنوعة.

– ما أبرز المحطات القيادية في مسيرتكم العسكرية والمهنية؟

أعتز بجميع محطاتي العسكرية، ولكن من أبرز المحطات التي أعتز بها: عملي معلماً ومديراً للشؤون الأكاديمية بكلية الحرب، ثم رئيساً لهيئة عمليات القوات البرية، ثم رئيساً لهيئة عمليات القوات المشتركة، ثم رئيساً لهيئة الركن للقوات المشتركة. وهي مسؤوليات أضافت إلى تجربتي المهنية والعسكرية الكثير، وعززت إدراكي لأهمية التخطيط والعمل المؤسسي وتكامل الجهود في خدمة الوطن.

– ما آخر منصب توليته في خدمتك العسكرية؟ وماذا يعني؟

آخر منصب تولّيته في خدمتي العسكرية هو رئيس هيئة الركن للقوات المشتركة، وهو منصب يعني الكثير بالنسبة لي؛ لأنه يمثّل ذروة العمل القيادي في بيئة تتطلب أعلى درجات الانضباط، والتخطيط، وإدارة الموارد، وتنسيق الجهود بين مختلف القوات.
هذا الموقع يجمع بين العمل العملياتي والعمل الاستراتيجي، ويضع القائد أمام مسؤوليات وطنية كبرى تتعلق بالأمن والاستعداد والجاهزية.
وبالنسبة لي، كان هذا المنصب شرفاً ومسؤولية، وفرصة لخدمة الوطن من موقع تتقاطع فيه الخبرة العسكرية مع متطلبات القرار، دون الحاجة للخوض في تفاصيل لا تُقال بطبيعتها.

– كيف تقيّمون مسيرتكم العسكرية والتحليلية؟

أتمنى أنني خدمت وطني كما يجب، وأديت واجبي كما ينبغي لقائد عسكري ومسؤول استراتيجي. أما التقييم الحقيقي في مجال العمل العسكري والتحليل الاستراتيجي، فهو شأنٌ يختص به القيادات، لأنهم الأقدر على قراءة النتائج وقياس الأثر وفق معايير دقيقة. ومع ذلك، فإنني أقدّر رأي الجمهور وأحترم نظرته، فالجمهور لا يقيّم تفاصيل العمل العسكري، لكنه يقرأ أثره وصدقه وانعكاسه على الوطن. وفي هذا الجانب، نعم، الجمهور يفعل ذلك، ويملك حساً صادقاً يلتقط جوهر الرسالة قبل تفاصيلها.

– ما الذي ميّز تجربتكم القيادية وجعلها مختلفة عن مجرد أداء وظيفي؟

أعتقد أن ما ميّز التجربة هو أنها لم تكن عندي وظيفةً تؤدّى ثم تُنسى، بل كانت التزاماً يومياً بالمسؤولية، ومجالاً لتعلّم الانضباط، وفهماً أعمق لمعنى الخدمة العامة.
القيادة الحقيقية، في تقديري، ليست في الموقع بقدر ما هي في القدرة على التأثير، وتحمل العبء، واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.

– عايشتم أحداثاً كثيرة، من بينها تحرير الكويت وعاصفة الحزم وإعادة الأمل. كيف رأيتم هذه الأحداث من خلال عملكم كأحد ضباط القوات المشتركة، وماذا استفدتم منها؟

عايشت خلال خدمتي العسكرية عدداً من المحطات والأحداث المفصلية، وفي مقدمتها تحرير الكويت، وأحداث مملكة البحرين الشقيقة، ثم عملي ضمن القوات المشتركة خلال عمليتَي عاصفة الحزم وإعادة الأمل.
وقد مثّلت عاصفة الحزم وإعادة الأمل محطة تاريخية مهمة في الدفاع عن الأمن الوطني السعودي والأمن الإقليمي العربي؛ إذ جسدتا موقف المملكة الحازم في مواجهة محاولات التمدد الإيراني في اليمن، عبر ميليشيا الحوثي الإرهابية، ودعم الشرعية اليمنية والوقوف إلى جانب الشعب اليمني الشقيق. كما أبرزتا قدرة المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، على بناء تحالف عربي وإسلامي فاعل، وتوظيف أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية لخدمة أمن المنطقة واستقرارها.
وعلى المستوى المهني، أكدت لي هذه التجارب أن نجاح العمليات المشتركة يعتمد على وضوح الهدف الاستراتيجي، ووحدة القيادة، وتكامل الأدوار، ودقة التنسيق بين المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

– تحملون درجة الدكتوراه في تخصص الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة، ما الذي أضافه هذا التخصص إلى خبرتكم وقراءتكم للمشهد الإقليمي؟

كشف لي أن الصراعات لم تعد تقليدية، وأن الجماعات المسلحة أصبحت أدوات نفوذ تتجاوز حدود الدول، وتعمل ضمن منظومات معقدة تشمل العقيدة والتمويل والتسليح والإعلام والعمليات السيبرانية. وأن طبيعة الصراعات في المنطقة لم تعد تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيوش النظامية وحدها. فقد برزت الجماعات المسلحة بإعتبارها أدوات فاعلة في إدارة النفوذ، وإرباك الدول، واستنزاف قدراتها، وفرض وقائع سياسية وأمنية تتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية.

-،ما القيمة التي أضافتها دراسة الدكتوراه إلى خبرتكم الميدانية؟

أعطتني زاوية أوسع لفهم لماذا تحدث الوقائع وكيف تتكرر، فالتجربة ترى الحدث، بينما البحث العلمي يفسر ما وراءه.

– كيف تفسرون لجوء بعض الدول إلى الحرب بالوكالة بدلاً من المواجهة المباشرة؟

لأنها تمنح القدرة على خوض صراع كامل دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، لكنها تحمل مخاطر بعيدة حين يتحول الوكلاء إلى قوى مستقلة ذات أجندات خاصة. فالوكيل المحلي يصبح الذراع التي تنفذ الاهداف وتستنزف الخصم وتوسع النفوذ، بينما تبقى الدولة الراعية خلف الستار بهامش انكار سياسي يحميها من الضغط الدولي.

 – ما موقع الجماعات المسلحة في معادلات الأمن الإقليمي اليوم؟

أصبحت أحد أكثر مصادر التهديد تعقيداً، لأنها تعمل خارج قواعد الدولة والقانون، وتؤثر في الملاحة الدولية وتعيد تشكيل خرائط النفوذ. ويبرز ضمن هذا المشهد ميليشيا الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق؛ وهي جماعات ترتبط بإيران عقَديا وسياسياً وعسكرياً، وتعمل كأذرع اقليمية تؤثر في توازنات القوى وتعيد تشكيل خرائط النفوذ. وبعض هذه الجماعات مصنف دولياً كتنظيمات ارهابية ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ما يجعل حضورها عاملاً مضاعفاً للفوضى وعدم الاستقرار.
ولذلك لم تعد هذه الجماعات مجرد ظاهرة امنية، بل تحولت الى فاعل استراتيجي يعطل الملاحة الدولية، ويهدد خطوط التجارة، ويشارك في الحروب بالوكالة، ويستنزف الدول عبر صراعات طويلة منخفضة الكلفة بالنسبة للجهات الراعية. وهي في بعض البيئات قوة موازية للدولة، تمتلك السلاح والقرار، وتفرض معادلات سياسية وامنية لا تمر عبر المؤسسات الرسمية.

– كيف تنعكس خبرتكم الأكاديمية في هذا المجال على قراءتكم لملفات اليمن وإيران والبحر الأحمر؟

منحتني الخبرة الأكاديمية إطاراً تحليلياً يساعدني على قراءة هذه الملفات بإعتبارها منظومة مترابطة، لا ملفات منفصلة. فالأمن الإقليمي يتشكل من تفاعل الجماعات المسلحة، والجغرافيا الاستراتيجية، وشبكات النفوذ العابرة للحدود.
في اليمن، لا يمكن فهم التهديد الحوثي بعيداً عن دور الجماعة المسلحة المدعومة خارجياً، ولا عن تأثيره في توازنات الدولة الهشة وأمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد. أما في الملف الإيراني، فإن منطق الحرب بالوكالة يفسر جانباً مهماً من توظيف طهران لشبكات مسلحة لخلق أوراق ضغط وتوسيع النفوذ.
ومن ثم، فإن المعالجة الفاعلة لا تقتصر على الردع العسكري، بل تتطلب أيضاً دعم مؤسسات الدولة، ومواجهة التمويل والتسليح، ومعالجة الجذور السياسية والاقتصادية والفكرية للتهديد.

– ما منهجكم في بناء التحليل السياسي والاستراتيجي؟

أعتمد في التحليل على ثلاث ركائز مترابطة: القراءة التاريخية لفهم جذور السلوك السياسي وتكرار أنماطه، وتحليل القوة عبر أدوات التخطيط مثل تحليل بستيل (PESTEL Analysis) والتحليل الرباعي (SWOT) وخرائط النفوذ لتفكيك البيئة وتقدير موازين القوى، ثم بناء السيناريوهات المستقبلية لاستشراف المسارات المحتملة ونقاط التحول.
وأؤمن بأن علم الاستراتيجية في جوهره هو الابن الشرعي للعلم العسكري؛ فقد خرج من رحم التفكير العسكري الذي وضع قواعد التخطيط، وادارة الموارد، وتقدير الموقف، وصناعة القرار تحت الضغط. وقد عززت دراساتي العليا هذا المنهج، إذ تمنحني خلفيتي في الدراسات العسكرية والدفاعية والاستراتيجية رؤية أوسع لقراءة المشهد بما وراء الحدث.

– كونك كاتب رأي كيف يمكن للإعلام أن يسهم في تعزيز الوعي الوطني وإبراز جهود رجال القوات المسلحة؟

الإعلام اليوم ليس مجرد منصة لنقل الأحداث، بل هو جزء من منظومة الأمن الوطني. ودوره في تعزيز الوعي الوطني يبدأ من قدرته على تقديم الصورة الكاملة للمشهد، وإبراز الجهود التي تُبذل خلف الخطوط، لا تلك التي تظهر في العناوين فقط.
منسوبو القوات المسلحة يعملون في صمت، ويقدمون تضحيات لا تُرى بالعين المجردة، والإعلام المهني هو الذي يحوّل هذا الصمت إلى وعي عام يدرك قيمة ما يُقدّم للوطن.
الإعلام يستطيع أن يسهم في تعزيز الوعي الوطني من خلال ادوار التوثيق الوطني، والتحليل المسؤول، وصناعة القدوة
وحين يلتزم الاعلام بهذه الأدوار يصبح شريكاً في بناء الوعي، وليس مجرد ناقل للخبر.
وأنا أؤمن أن إبراز جهود رجال القوات المسلحة ليس واجبا إعلامياً فقط، بل واجب وطني، لأنهم خط الدفاع الأول، ولأن الوطن لا يُحفظ إلا بوعي شعبه بقيمة من يحميه

– هل ترون أن المقال التحليلي قادر على التأثير في الرأي العام؟

نعم، حين يجمع بين الدقة والعمق والقدرة على تبسيط المعقد.
فالباحث والقارئ اليوم لا يبحث عن اعادة انتاج الخبر، بل عن رؤية تساعده على فهم ما وراء الخبر، وتضع الحدث في سياقه السياسي والاستراتيجي.

 – هل لديكم كتب منشورة أو أعمال علمية جاهزة للنشر تتناول الإقليم أو تخصصكم في الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة؟

 نعم، لدي عدّة كتب جاهزة للنشر في قضايا الإقليم وفي تخصص الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة. ويأتي في مقدمتها كتابي الأول عن الجماعات المسلحة، وهو بانتظار الفسح من مقام وزارة الإعلام. ويقدم هذا العمل معالجة نوعية تستند إلى خبرة ميدانية ودراسة أكاديمية معمقة، وأرى أن سرعة الفسح أمر مهم، فالمعلومة في هذا المجال تتقادم إذا لم تواكبها إجراءات نشر سريعة.
كما أن لدي أعمالاً أخرى تتناول المشهد الإقليمي، وتحولات الأمن، وديناميات الصراع، وهي مشاريع معرَفية أسعى من خلالها إلى الإسهام في تعزيز الوعي الاستراتيجي، وتقديم محتوى علمي رصين يخدم الباحثين والمهتمين بالشأن الإقليمي.

– كيف تقرأون المشهد الإقليمي في السنوات الأخيرة؟

المنطقة تمر بإعادة تشكيل واسعة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الأمن السيبراني والطاقة وسلاسل الإمداد، ولم يعد النفوذ مرتبطاً بالقوة الصلبة وحدها، بل بمنطق الشبكات العابرة للحدود التي تربط بين البحر الاحمر والخليج واليمن وشرق المتوسط في منظومة واحدة.. وبحكم تخصصي الأكاديمي في الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة، أرى أن الفاعلين من غير الدول أصبحوا جزءاً مؤثراً من معادلة الردع والضغط، ما يفرض قراءة أكثر واقعية وأقل خضوعاً للقراءات الكلاسيكية. كما أن تحولات مراكز الثقل باتت تفرض على الدول الجمع بين الردع العسكري، والقدرة الاقتصادية، والمرونة الدبلوماسية، وإدارة التحالفات بكفاءة، في بيئة إقليمية تتغير بسرعة.

– كيف تقيّمون دور المملكة العربية السعودية في إدارة الملفات الإقليمية؟

المملكة تتحرك اليوم وفق استراتيجية توازن ذكي تجمع بين الحضور الدبلوماسي الفاعل، وبناء التحالفات المرنة، وإدارة الملفات الحساسة بما يخفض التصعيد من دون التفريط في الثوابت والمصالح الوطنية. وقد جعلها ذلك لاعباً محورياً في ملفات الطاقة، والأمن الإقليمي، والممرات البحرية، والتسويات السياسية، من خلال رؤية تستند إلى حماية المصالح ودعم الاستقرار وتعظيم فرص التنمية.
كما تتعامل مع التحولات الإقليمية بمنطق إدارة النفوذ وليس ملاحقة الأزمات، عبر شراكات متعددة الاتجاهات ودعم الدولة الوطنية في مواجهة الفاعلين من غير الدول، مع إدراك أن أمن البحر الأحمر والخليج واليمن وشرق المتوسط منظومة واحدة مترابطة.

– ما أبرز التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة في المرحلة الراهنة؟

التحديات الأمنية اليوم متعددة الطبقات، ولم تعد محصورة في الصراع العسكري التقليدي. فالمنطقة تواجه تهديدات سيبرانية تستهدف البنى التحتية الحيوية، من الطاقة الى الاتصالات وغيرها، وهي تهديدات تعمل بصمت وتملك قدرة على شل مؤسسات الدولة خلال دقائق. كما تواجه صراعات بالوكالة تُدار عبر فاعلين من غير الدول، مثل الحوثيين وحزب الله والفصائل المسلحة في العراق، وهي جماعات مرتبطة بدول اقليمية وتملك القدرة على تعطيل الملاحة، ورفع كلفة التأمين، وخلق مساحات رمادية بين الدولة واللا دولة.
ويبرز كذلك التنافس على الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما البحر الاحمر والخليج العربي، حيث اصبحت حماية خطوط التجارة وسلاسل الامداد جزءاً من الأمن الوطني، وليس مجرد ملف بحري. اضافة الى ذلك، فإن تحولات سوق الطاقة جعلت الأمن الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني، لأن أي اضطراب في الانتاج او النقل ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي والمالي للدول.

– كيف تقرأون السلوك الإيراني في اللحظة الراهنة؟

يقوم السلوك الإيراني اليوم على ضغط متدرّج عبر أدوات غير مباشرة، مع إبقاء مساحة تفاوض مفتوحة مع القوى الدولية. وبحكم تخصصي في الحرب بالوكالة، أرى أن إيران اعتمدت طويلاً على شبكة من الوكلاء لفرض نفوذها وتحسين أوراقها التفاوضية، عبر الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق.
وفي المقابل، تواجه إيران تحديات داخلية وضغوطاً اقتصادية وسياسية تجعلها أكثر حذراً في توظيف أدواتها الخارجية. ومن ثم، فإن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى مزيج من الردع والمرونة: ردعٌ يمنع الأدوات غير التقليدية من تهديد الأمن الإقليمي، ومرونةٌ تُبقي قنوات إدارة الأزمات مفتوحة وتدعم بناء شراكات قادرة على تضييق مساحة نفوذها.

– كيف ترون مستقبل الأمن في البحر الأحمر؟

أصبح البحر الأحمر أحد أهم مسارح التنافس الإقليمي والدولي، ليس فقط بسبب حركة التجارة العالمية، بل لارتباطه المباشر بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد ومضيق باب المندب. كما أن مستقبل أمنه يتوقف على قدرة الدول المطلة عليه على بناء منظومة أمن جماعي فعّالة، تتكامل مع التحالف البحري الجديد بقيادة المملكة العربية السعودية، وتجمع بين الردع البحري والتنسيق الاستخباري وحماية البنى التحتية وإدارة الأزمات بسرعة وكفاءة.
واليمن يبقى جزءاً أساسياً من هذه المعادلة؛ فأي استقرار سياسي وأمني فيه سينعكس مباشرة على أمن البحر الأحمر، والعكس صحيح، خصوصاً مع وجود جماعات مسلحة مرتبطة بقوى إقليمية، مثل الحوثيين، قادرة على تهديد الملاحة ورفع كلفة التأمين وتعطيل الاستقرار الإقليمي.

– كيف تنظرون إلى رؤية السعودية 2030، وما أثرها فيكم شخصياً، وفي الوطن، وعلى المشهد الإقليمي؟

رؤية السعودية 2030 ليست برنامجاً إصلاحياً فحسب، بل تحوّلاً تاريخياً أعاد تعريف الدولة الحديثة في المنطقة، وصاغ علاقة جديدة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع والتنمية وصناعة المستقبل. وعلى المستوى الشخصي، رسّخت قناعة بأن المستقبل يُصنع بالإرادة الواضحة، وأن التغيير مشروع عملي لا شعاراً.
أما وطنياً، فقد نقلت المملكة إلى نموذج أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة وجذب الاستثمار وإطلاق الطاقات البشرية، بما جعل التنمية مشروعاً شاملاً يمسّ الاقتصاد والمجتمع والحوكمة. وإقليمياً، جعلت المملكة مركزاً لإنتاج الاستقرار ومحركاً للتنمية.
ولا يمكن الحديث عن الرؤية دون الإشارة إلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، بإعتباره مهندس هذا التحوّل وصاحب الرؤية التي وسّعت أفق الممكن، ودفعت المملكة إلى آفاق غير مسبوقة، وأعادت تعريف ما يمكن أن تفعله الدولة حين تتقدّم بثقة وتعمل بمنهجية واضحة.

– في ظل رؤية 2030 شهدنا تمكين المرأة في خوض غمار العمل العسكري كيف ترى هذه النقلة النوعية؟

تمكين المرأة في العمل العسكري ضمن رؤية السعودية 2030 ليس خطوة وظيفية، بل نقلة نوعية في هندسة المجتمع الوطني. فقد أعادت الرؤية تعريف المشاركة، وفتحت المجال لكل الطاقات القادرة على خدمة الوطن وفق ضوابط ومسارات مهنية واضحة.
العمل العسكري يقوم على الانضباط والمهارة والالتزام، وهي صفات لا ترتبط بجنس دون آخر، ولكن بالتأهيل والاحترافية. وقد أثبتت المرأة من خلال التجربة نجاحاً ومثالية لافتة في المهام التي تولّتها، سواء الإدارية أو الفنية أو الميدانية، مما يعكس ثقة الدولة في قدراتها وتطور المؤسسة العسكرية في استيعاب الكفاءات المتنوعة.
هذه النقلة تؤكد أن رؤية 2030 رؤية اجتماعية وأمنية وتنموية تمنح كل مواطن فرصة ليكون جزءاً من منظومة القوة الوطنية. وإبراز نجاح المرأة في هذا المجال مسؤولية الإعلام أيضاً، لأنه يعزز الوعي الوطني ويُظهر أن الدفاع عن الوطن شرفٌ يتسع للجميع.

– ما الذي تضيفه المرأة السعودية للعمل العسكري؟ وما أبرز مقومات نجاحها في هذا المجال؟

بوصفي قائداً عسكرياً وشاهداً على جهود المرأة السعودية في شتى المجالات، أرى أن حضورها في العمل العسكري أضاف بعدًا احترافياً واضحاً يقوم على الانضباط والدقة والالتزام، وما كان لهذا البعد أن يكتمل دون مشاركتها. فقد أثبتت المرأة ومن خلال التجربة العملية قدرتها على أداء المهام العسكرية بكفاءة عالية، سواء الإدارية أو الفنية أو الميدانية، وكان نجاحها نتيجة طبيعية لتأهيلها، وجديتها، وروح المسؤولية التي تحملها تجاه وطنها.
وتتمثل أبرز مقومات نجاحها في الانضباط، والقدرة على التعلّم السريع، والعمل بروح الفريق، والالتزام بمعايير المؤسسة العسكرية. وهذه الصفات جعلت مشاركتها امتداداً طبيعيًا لرؤية 2030 التي فتحت المجال للكفاءات الوطنية دون تمييز، وأن خدمة الوطن شرفٌ يتسع للجميع.
كما تضيف المرأة للعمل العسكري كفاءة تنظيمية وفنية عالية، وتعزز القدرات الأمنية والدفاعية بكوادر وطنية مؤهلة، وتبرز في مجالات الأمن السيبراني، والخدمات الطبية، والأمن بمختلف مجالاته، والتفتيش وغير ذلك من المجالات بكفاءة تامة. وحضورها اليوم ليس مجرد مشاركة، بل قيمة مضافة تعكس تطور المؤسسة العسكرية وثقة الدولة في أبنائها وبناتها على حد سواء

– من أبرز الشخصيات التي تدينون لها بالفضل؟

أدين لله أولاً، ثم لوالدتي، رحمها الله، التي كانت مصدر قوتي الأولى، ولأخي الأكبر الدكتور عبد الله، الذي ظل قدوةً ودعماً صامتاً في محطات التحوّل الكبرى. كما أدين بالفضل لعدد من الأساتذة والقادة الذين أسهموا في تشكيل مساري العلمي والمهني، وفتحوا أمامي آفاقاً أوسع لفهم المسؤولية، وقيمة المبادرة، وأثر الإنسان الذي يتجاوز ذاته.

– من تستشيرون في مواقفكم الحياتية؟

أستشير أخي الأكبر الدكتور عبد الله، فهو قدوتي الأولى وصاحب أثر عميق في كثير من اختياراتي. كما أستأنس برأي ابنتي الصغرى بحكم تخصّصها، إذ تمنحني نظرة مختلفة تضيء لي ما قد يغيب عني من تفاصيل. وفي بعض المواقف، أعود إلى عدد من القادة والأصدقاء المقرّبين ممن أثق بحكمتهم وخبرتهم، ثم أتوكل على الله وأمضي إلى القرار.

– هل يحتاج الأبناء إلى المشورة؟ وهل ابتعدت المسافات بين الأجيال؟

الأبناء يحتاجون إلى المشورة حين يجدون فيها صدقاً واحتواءً واحتراماً لخصوصيتهم، فالمشورة ليست وصاية بقدر ما هي مساحة رحبة يُستقبل فيها الرأي بثقة وطمأنينة. أما المسافات بين الأجيال، فهي لا تُقاس بعمر السنين، بل بمسافة القلوب؛ فحين يحضر الحوار، ويصفو الاحترام، وتُمنح الأجيال فرصة أن تُفهم لا أن تُحاكم، تقترب الأرواح مهما اختلفت الأزمنة.

– كيف تعرّفون الحكمة من وجهة نظركم؟

الحكمة هي أن يتخذ الإنسان قراره بوعيٍ واتزان، فيميّز بين ما يستحق المواجهة وما يستحق التجاوز، ويختار ما يحفظ التوازن ويصون الأثر.

– ما بين حكمة الشيوخ وهمة الشباب، أين تقفون؟

أقف عند نقطة التلاقي بينهما؛ فهمة الشباب هي البدايات، وحكمة الشيوخ هي ثمرة التجربة، ولا اكتمال لأحدهما من دون الآخر.

– هل افتقدنا الإنسان القدوة؟

للأسف نعم، إلا من رحم الله. القدوة أصبحت عملةً نادرةً في زمن تراجعت فيه المعايير وارتفعت فيه الضوضاء، لكنها لا تزال موجودة لمن يبحث عنها بوعيٍ وصبر. والمسؤولية اليوم مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات والمجتمع؛ فكلّها مطالبة بصناعة نماذج يُحتذى بها، لا نماذج تُصفّق لها اللحظة وتنسى أثرها بعد أول اختبار.

– من أنبل الناس في رأيكم؟

أنبل الناس من يملك قوة النفس التي تجعله يعفو حين يكون العفو مكلفاً، ويضبط انفعاله حين يكون الغضب أسهل. فالنبل ليس ضعفاً، بل حكمةٌ تحفظ للإنسان كرامته واتزانه معاً.

– كيف تريدون أن يقرأكم الجيل القادم: كعسكري، أم كمفكر، أم كصاحب مدرسة في التحليل؟

أريد أن يُقرأ اسمي بوصفه من جمع بين التجربة والمبدأ، وبين الخدمة والفكر، وبين الانتماء والتحليل. لا أبحث عن تصنيفٍ واحد: عسكرياً، أو مفكراً استراتيجياً، أو صاحب مدرسة في التحليل؛ بل أريد أن يُنظر إليّ كمن استطاع أن يحوّل تجربته إلى وعي نافع، وأن يترك أثراً يساعد الجيل القادم على الفهم والانضباط وصناعة القرار.

– أين تضع نفسك في هذا العالم، وكيف تدير وقتك بين مسؤولياتك ومساحتك الخاصة؟

أتواجد في قلب حياة لا تخلو من صخب نهارها ولا من صبر ليلها. أتنقّل بين مسؤولياتي واهتماماتي، وأحافظ على مساحة هادئة أتأمل فيها ما حولي؛ فالتوازن لا يأتي من خلوّ الحياة من الضغط، بل من قدرة الإنسان على أن يصنع لنفسه زاويةً يلتقط فيها أنفاسه، ويعيد ترتيب أولوياته قبل أن يعود إلى الميدان.

– ما الذي بقي في ذاكرتكم من محطات حياتكم، وما الدروس التي صنعتكم كما أنتم اليوم؟

ما يبقى في الذاكرة هو المواقف التي تكشف معدن الإنسان؛ لحظات الصبر في الانكسار، والمسؤولية في القوة، والوفاء في الاختبار. فالحياة لا تُقاس بطول الزمن، بل بما تصنعه من وعيٍ وبصيرة.

– ما معنى الربح والخسارة في تجربتك، وكيف أثّرتا في طريقة

أرى الربح والخسارة بوصفهما جزءاً من صناعة الوعي، وليس مجرد نتائج نهائية. فالخسارة تعلّم الصبر والثبات، والربح بعد الخسارة يمنح ثقةً أعمق من المكاسب المتتابعة. ولهذا أصبحتُ أرى القرار الحكيم باعتباره ما يوازن بين النتيجة والقدرة على تحمّل تبعاتها.

– متى يصل الإنسان إلى محطات النجاح؟ ومتى تتوقف تطلعاته؟

يصل الإنسان إلى محطات النجاح ما دام يسعى؛ فالنجاح ليس نقطة نهائية، بل مسارٌ يتشكل من خطوات وتجارب متراكمة. أما تطلعاته، فلا تتوقف إلا حين تتوقف حياته. فكل تقدم صغير هو محطة، وكل تعثر يعيد ترتيب الطريق ولا يلغي الرحلة. أما تطلعات الانسان فلا تتوقف الا حين تتوقف حياته. فالرغبة في التحسن جزء من طبيعة البشر، والبحث عن الافضل هو ما يبقي الروح يقظة والوعي متحركا.

– متى يُنصف الإنسان قبل رحيله؟

ينصف الانسان قبل رحيله عندما تتضح صورته بعد ان تهدأ ضوضاء الحياة. فالإنصاف لا يأتي في لحظة الانجاز، بل في لحظة الفهم؛ حين يرى الناس أثره لا صوته، وفعله لا حضوره، والانصاف الحقيقي لا يصنعه المدح، بل الاثر الذي يبقى شاهدا على ان وجود الانسان لم يكن عبورا عابرا، بل قيمة تستحق ان تذكر.

– هل تختلف أحاديثنا في وسائل التواصل عن واقعنا؟

أحاديث وسائل التواصل تعبير سريع وانفعالي، محكوم باللحظة وبالرغبة في الظهور، بينما التحاليل والقراءات الاستراتيجية تعتمد على منهج، ومعطيات، وسياق، ولا تخضع لاندفاع المنصات.
الحديث الرقمي قد يختلف عن الواقع، لكن التحليل الاستراتيجي يرتبط بالواقع أكثر مما يرتبط بالصورة الرقمية، لأنه يقوم على فهم الوقائع لا على استعراضها.

– متى تغضّون الطرف؟

أغض الطرف عندما يكون الردّ أقلّ جدوى من التجاهل، وعندما تكون كلفة الانشغال أكبر من قيمة المواجهة
في العمل العام والتحليل الاستراتيجي، التغافل ليس ضعفاً، بل إدارة للموارد” الوقت، والانتباه، والهيبة” فأغضّ الطرف عندما يكون الفعل الصغير بلا أثر، وعندما يكون الردّ عليه تضخيماً لا ضرورة له. فالاستراتيجية تختار معاركها، وتعرف أنّ بعض التفاصيل لا تستحق أن تتحوّل إلى ملفات، وبعض الأصوات لا تستحق أن تتحوّل إلى مواقف. والقاعدة تقول إذا اخترنا التغافل، يجب أن نلتزم به. فالتراجع عن التغافل يفسد أثره، ويكشف أنّ القرار لم يكن قراراً، بل ردّ فعل مؤجل.

– ما الرسالة التي تريدون أن تبقى منكم بعد هذا اللقاء للأجيال القادمة؟

أتمنى أن تبقى الرسالة الواضحة أنّ الإنسان يُبنى بالتربية، ويُنضج بالتجربة، ويُحفظ أثره بالصدق والإخلاص. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بما يقال في لحظة، بل بما يتركه المرء من أثر طويل يتجاوز حضوره.
وإذا بقي من هذا اللقاء شيء، فأرجو أن يكون شهادة على أنّ الخدمة والمسؤولية والعلم ليست مسارات متفرّقة، بل خيط واحد يصنع المعنى الحقيقي للحياة؛ خيط يبدأ بالتربية، ويشتدّ بالتجربة، ويستمرّ بالأمانة في كل موقع يُمنح للإنسان

– كلمة أخيرة في ختام هذا اللقاء؟

أختم بخير الدعاء دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات}، وأن يظل وطني العزيز في عليائه، آمناً مطمئناً، شامخاً بعزته، ماضياً بثباته نحو المزيد من المنعة والازدهار. وأسأله أن يديم على قيادتنا الحكيمة التوفيق والسداد، وأن يبارك في خُطاها التي جعلت للوطن مكانته، وللمستقبل أُفقه الواثق، في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله ورعاهما.
وأتقدّم بجزيل الشكر لصحيفة مكة الإلكترونية، منصة صحفية تحمل هدفاً ورسالة سامية، على هذا اللقاء وما أتاحته من مساحة للحوار المسؤول، وعلى دورها في تعزيز الوعي وإبراز القيم التي تنهض بها الأوطان. وأرجو أن يكون هذا اللقاء إضافة صادقة في مسار خدمة الوطن، وتأكيداً على أنّ المسؤولية والعلم والعمل المخلص خيط واحد يصنع المعنى الحقيقي للحياة.

                   الصوره تجمع الضيف والمحرر

حسن الصغير

مدير التحرير - منطقة الباحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى