المقالات

مكة ليست هدفًا

حين تُوجَّه آلة الحرب نحو مكة تسقط كل الذرائع.

فمكة ليست مدينةً في جغرافيا المملكة فحسب وليست موقعًا يمكن إدخاله في حسابات الصراع وموازين السياسة. مكة قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم وحرَم الله الآمن إليها تتجه وجوه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها خمس مرات كل يوم وفيها بيتٌ جعله الله قيامًا للناس وأمنًا.

ولهذا فإن ما أعلنته المملكة العربية السعودية عن اعتراض طائرة مسيّرة معادية أطلقتها الميليشيا الحوثية نحو مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي للمدينة المقدسة ليس حدثًا عسكريًا عابرًا يُقرأ في نشرات الأخبار ثم يُطوى.

فعندما تصبح مكة في مسار سلاح يصبح السؤال أكبر من السياسة: أيُّ قضية يمكن أن تبرر الاقتراب بالسلاح من قبلة المسلمين؟

لا خلاف سياسي، ولا خصومة عسكرية، ولا شعار مهما ارتفع صوته، يستطيع أن يمنح صاحبه حق العبث بحرمة مكة.

ومن يستهدفها أو يبرر استهدافها أو يبحث للمعتدي عليها عن الأعذار عليه أن يواجه حقيقة لا تحتمل المواربة: أن حرمة البيت الحرام ليست ورقةً سياسية وأن تعظيم حرمات الله لا يتبدل بتبدل المواقف والتحالفات.

أما المملكة العربية السعودية فإن حماية مكة بالنسبة إليها ليست مهمة أمنية فحسب بل عهدٌ ومسؤولية وشرف.

السعوديون قيادةً وشعبًا لا ينظرون إلى مكة باعتبارها مدينةً عليهم حمايتها بل باعتبارها أمانةً يفدونها بأرواحهم قبل حدودهم وممتلكاتهم. وإذا كان الدفاع عن الوطن واجبًا فإن الدفاع عن مكة في وجدان هذه البلاد واجبٌ فوق الواجب وشرفٌ فوق الشرف.

هنا لا فرق بين جندي يقف في موقع دفاعه ومواطن يرفع عينيه نحو الحرم مطمئنًا فكلاهما يعرف أن لهذه البقعة مكانًا لا ينافسه مكان.

ولعل في موقع مكة في قلب هذه البلاد معنى يستحق التأمل.

لقد وضع الله بيته الحرام في هذه الأرض وجعل لهذه البلاد عبر تاريخها الحديث مسؤولية خدمته وحماية قاصديه فحملت المملكة هذه المسؤولية دولةً وشعبًا وسخّرت لها أمنها وقدراتها ومواردها.

ولذلك حين تمتد يدٌ نحو مكة فإنها لا تختبر منظومة دفاع جوي فحسب بل تواجه دولةً تعتبر أمن الحرمين من صميم وجودها وشعبًا يرى أن روحه أرخص من أن يُمس بيت الله بسوء.

قد تختلف الشعوب في السياسة وقد تتغير التحالفات وقد تنشأ الخصومات وتنتهي أما مكة فلا تدخل في هذا كله.

مكة خطٌّ لا ينبغي أن يختلف عليه مسلم.

ومن أراد أن يعرف حقيقة الشعارات فلينظر إليها عندما تصبح مكة في المشهد: من يصون حرمتها؟ ومن يدافع عنها؟ ومن يبرر الاقتراب منها بالسلاح؟ ومن يجعل خصومته السياسية أكبر من قدسية البيت الحرام؟

هناك تنكشف المواقف دون حاجة إلى كثير من الكلام.

وستبقى مكة ـ بإذن الله ـ آمنةً عزيزة وسيبقى شعب هذه البلاد على ثغورها وستبقى المملكة حكومةً وشعبًا تعرف أن من أعظم ما شُرّفت به أن تكون حارسةً لأمن أرضٍ تتجه إليها قلوب أكثر من مليار مسلم قبل أن تتجه إليها وجوههم.

مكة ليست هدفاً

مكة قبلة.

مكة حُرمة.

مكة أمانة.

ومن أجل هذه الأمانة تعرف السعودية جيدًا أين تقف: أمامها لا خلفها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى