ليست كل الشخصيات العظيمة تصنعها الكتب وحدها، ولا تولد الموهبة مكتملة في عزلة عن الآخرين؛ فكثيراً ما يكفي معلم واحد يرى في تلميذه ما لا يراه سواه، ليضع أمامه أول الطريق نحو آفاق لم يكن يتخيلها. وهكذا يمكن أن تكون حصة دراسية عابرة، أو سؤالاً ذكياً، أو طريقة مختلفة في تقديم المعرفة، بدايةً لقصة استثنائية تمتد آثارها سنوات طويلة.
ومن بين هؤلاء المعلمين يبرز اسم ديكران تاهتا (Dikran Tahta)، مدرس الرياضيات البريطاني من أصول أرمنية، الذي كان له أثر مهم في حياة عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، وساعده على أن يرى الرياضيات لا بوصفها أرقاماً وقواعد جامدة، بل لغةً حيةً للتفكير والاكتشاف.
لم يكن ديكران تاهتا فلكياً تركياً، كما تذكر بعض الروايات المتداولة، بل كان معلماً بريطانياً من أصول أرمنية. وُلد في مانشستر بإنجلترا لعائلة من المهاجرين الأرمن الذين غادروا إسطنبول في عشرينيات القرن العشرين، ثم أصبح معلماً للرياضيات، وترك أثراً لا يُقاس بعدد الدروس التي قدمها، وإنما بعدد العقول التي ساعدها على أن ترى العالم بطريقة مختلفة.
في مدرسة «سانت ألبانز» (St Albans School)، التقى تاهتا بالطالب ستيفن هوكينج، الذي أصبح لاحقاً أحد أشهر علماء الفيزياء في القرن العشرين. وكان تاهتا من المعلمين الذين جعلوا الرياضيات تجربةً فكريةً نابضة بالحياة، لا مجرد مجموعة من المسائل التي ينبغي حلها. وقد ذكر هوكينج أن حصصه كانت حيوية ومثيرة، وأن النقاش فيها كان جزءاً أساسياً من التعلم.
ولم يكن تأثير تاهتا في هوكينج مجرد إعجاب عابر بمعلم مميز، بل كان واحداً من المؤثرات التي أسهمت في توجيهه نحو الرياضيات والعلوم. وقد ظل هوكينج يتذكر معلمه بتقدير بالغ، حتى بعد أن أصبح اسماً عالمياً في الفيزياء والكونيات.
ومن الطريف أن علاقة المعلم بتلميذه لم تقتصر على دروس الرياضيات؛ فقد شارك تاهتا مع هوكينج وعدد من زملائه الطلاب في بناء حاسوب بدائي، مستخدمين أجزاءً من لوحة مفاتيح هاتف قديم وقطعاً وأجزاءً متاحة لديهم. وقد تبدو هذه التجربة بسيطة بمقاييس التكنولوجيا الحديثة، لكنها تكشف روح الفضول والتجريب التي كانت حاضرة في البيئة التعليمية التي نشأ فيها هوكينج.
وبعد عقود، ظل أثر ذلك المعلم حاضراً في ذاكرة تلميذه. ففي عام 2016، ظهر ستيفن هوكينج في مقطع مصور تحدث فيه عن ديكران تاهتا، الذي كان قد توفي عام 2006، مستحضراً فضل معلمه ودوره في حياته. ومن أكثر العبارات التي ارتبطت بهذا التكريم قوله: «خلف كل شخص استثنائي، هناك معلم استثنائي».
إن قصة ديكران تاهتا وستيفن هوكينج تذكّرنا بأن التعليم الحقيقي لا يقاس بما يحفظه الطالب من معلومات، بل بما يوقظه المعلم في داخله من فضول وشغف وثقة بالقدرة على السؤال والاكتشاف. فالمعلم المبدع لا يكتفي بأن يفتح كتاباً أمام تلميذه؛ إنه يفتح نافذة على العالم، وربما يفتح معها باباً إلى مستقبل لم يكن أحد يراه.
وقد ينسى الطالب تفاصيل درسٍ بعد سنوات، لكنه نادراً ما ينسى معلماً جعله يحب المعرفة، ويؤمن بقدرته على الوصول إليها. وهنا تكمن عظمة المعلم: أن يزرع فكرةً صغيرة في عقل ناشئ، ثم يمضي، بينما تنمو تلك الفكرة حتى تتحول، يوماً ما، إلى إنجاز يضيء حياة الآخرين.

