في خضمّ ما يُثار عن المملكة العربية السعودية في بعض المنابر ووسائل الإعلام والمواقع الاليكترونية، تبرز بين حين وآخر قراءات مختلفة تحاول النظر إلى التجربة السعودية بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
ومن هذه القراءات ما يطرحه المفكر الأمريكي من أصل ألماني “شهيد بولسن” أحد أبرز الأصوات المؤثرة المهتمة بقضايا العالم الإسلامي والسيادة الاقتصادية للدول الإسلامية، الذي تناول الشأن السعودي من زاوية يصفها بالموضوعية، داعياً إلى قراءة التجربة في ضوء الوقائع التاريخية والسياسية، لا من خلال المواقف الأيديولوجية الجاهزة.
ينطلق “بولسن” من فكرة لا فتة، مفادها أن بعض مظاهر العداء للمملكة قد لا تستند، في نظر أصحابه، إلى معرفة دقيقة بحقيقتها أو بتاريخها، بقدر ما تتأثر بروايات متداولة وصور نمطية وأجندات سياسية وإعلامية.
وهذه ملاحظة تستحق التأمل؛ فالحكم المنصف على الدول لا يكون بترديد ما يُقال عنها، وإنما بفحص المعلومات، والتمييز بين النقد الموضوعي والحملات التي تسعى إلى تشويه الصورة أو تأجيج الخلاف.
ثم ينتقل الحديث إلى ما يمكن وصفه بعبقرية البقاء وبُعد النظر الإستراتيجي، فالمملكة-والكلام للمفكر الأمريكي- وفق هذه القراءات، تمثل تجربة جديرة بالدراسة في كيفية توظيف الموارد وبناء مؤسسات الدولة، مع المحافظة على استقلال القرار والسيادة الوطنية.
وقد أستطاعت عبر مراحل تاريخية متعاقبة أن تدير تحولالت اقتصادية وسياسية عميقة، وأن توظيف ثرواتها في بناء بنية أساسية واسعة، وتطوير الخدمات، وتحسين مستويات المعيشة، وتعزيز حضورها الإيقليمي والدولي.
وتزداد أهمية هذه التجربة عند مقارنتها بدول أخرى أمتلكت موارد طبيعية كبيرة، لكنها واجهت حروباً وتدخلات خارجية واضطرابات سياسية أضعفت مؤسساتها وأثّرت في قدرتها على الإستفادة من ثرواتها.
ومع ذلك، فإن المقارنة المنصفة تقتضي مراعاة اختلاف الظروف التاريخية والجغرافية والسياسية لكل دولة؛ فمسارات الدول لا تتطابق، ولا يمكن اختزال نجاحها أو تعثرها في سبب واحد.
أما الرسالة الأبرز في طرح ” شهيد بولسن”، فهي الدعوة إلى تغليب الواقعية على الإيديولوجيا، والنظر إلى التجربة السعودية من خلال نتائج السياسات ومؤشرات التنمية، وما تحقق على أرض الواقع في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية، فضلاً عن قدرتها على حماية سيادتها وإدارة مصالحها في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
ولا يعني ذلك أن المملكة فوق النقد، أو أن تجربتها خالية من التحديات؛ فالنقد البنّاء حق، بل ضرورة لتطوير الأداء وتصحيح المسار، غير أن الفرق بين نقد يستند إلى معلومات موثوقة ويقترح بدائل، وبين أحكام مسبقة تتجاهل الحقائق أو تنتقي منها ما يخدم موقفاً سياسياً محدداً.
إن التجربة السعودية، بما تحمله من تحولات وإنجازات وتحديات ، تستحق قراءة هادئة ومتوازنة، فالدول لا تُقاس بما يُنسج حولها من انطباعات، وإنما بما تبنيه لشعوبها، وبقدرتها على صون قرارها واستثمار مواردها وصناعة مستقبلها.
ومن منظور حيادي بحت قد أجد عذراً لبعض دول الغرب في حقده على المملكة، وذلك بسبب الاختلافات الكثيرة بيننا وبينهم، ولكن ما لم أجد له عذراً هو هذا الحقد من بعض أخوتنا برغم وجود روابط كثيرة تجمعنا.
حمى الله بلادنا الغالية المملكة من كل سوء ومكروه
