قراءةٌ تعريفيةٌ… ومقاربةٌ نقديةٌ(*)
(*) مع التحية للكاتب الإعلامي والصديق المثقف الأستاذ عدنان صعيدي، احتفاءً بكتابه الجديد: وللحديث بقية، طبعة عام1448هـ
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
(1) و(للحديث بقية)… عتبة عنوانية جاذبة ومحفزة على التواصل الثقافي والمقاربة التثاقفية.. وهي في الأصل – لازمة تواصلية نستخدمها في حواراتنا ونقاشاتنا التي لا تنتهي، فإذا لم نصل إلى نهاية الحديث أو اتفاق على أمر ما، نقول هذه العبارة: وللحديث بقية/ أي لم ننه الحوار ولم ننته من النقاش/ ولنا فرصة قادمة لنستكمل هذا الأمر!!
و(للحديث بقية) كتاب يقول للقارئ الحصيف: أن هناك الكثير والكثير من (الأحاديث) التي لم تقل.. ولم تكتب.. هناك بقية عند الكاتب.. وهناك بقية منتظرة عند المتلقي فـ(للحديث بقية)؟!
هذا ما توارد في خاطري وأنا أحمل قلمي لأكتب هذه القراءة والمقاربة النقدية لكتاب صدر حديثاً بهذا العنوان الجميل/ العنوان المحفز والعنوان المثير!! لصاحبنا الإعلامي القدير الأستاذ عدنان صعيدي، الذي أسعدنا بدعوته لحفل تدشين الكتاب مساء يوم الأربعاء 22 صفر 1448هـ، وأهداني الكتاب في تظاهرة احتفائية جديدة ومثيرة بكل تفاصيلها بدءاً من نادي (6090 حياتي الجديدة) الذي احتضنها ودعا إليها، ومروراً بالرعاية الكريمة من الوزير/ الشاعر/ الإنسان/ الدكتور عبدالعزيز خوجة، وبحضورها المميز من المثقفين والإعلاميين والصحفيين والنقاد والكتَّاب والشعراء، الذين امتلأت بهم قاعة (Mishk at Roof Top) بفندق (بست وسترن بلس جدة)، وانتهاءً بمقدم القراءة النقدية الإعلامي الصديق محمد باوزير.. الذي تميز في الدراسة النقدية والتعريفية للكتاب، الأمر الذي سهَّل على القراء الإحاطة بفضاءات الكتاب، وأهدافه الغائبة ومجالاته المعرفية والثقافية، والتي نشرها الأخ عدنان صعيدي – فيما بعد – على صفحاته في الفيسبوك.. وهذا ما يجعلني أحيل القراء الأكارم إلى تلك الورقة النقد/ تعريفية المهمة والشاملة والصادقة التي أعدها الأستاذمحمدباوزير وحبذا لو أعاد نشرها في صحيفة الرياض أو اليمامة فالكتاب والكاتب جديران بها.
* * *
(2) و(للحديث بقية) له تفرُّد جميل وماتع – فيما قرأت من كتب حديثة ومعاصرة – فهو مقالات متنوعة تستدعيها الذاكرة الثقافية التي تختزن المواقف والثقافات ويعرب عنها على صفحته الخاصة على حساب الفبيسبوكـ مع ما تحمله هذه التقنية الكتابية المعاصرة من شيوع آني وسريع، ومداخلات وردود وإضافات من القراء والمتابعين.. فجاء الكتاب على صيغة من (التناص) كما هو في مفاهيمنا النقدية، أو (الدويتو Duetto) التشاركي والتفاعلي أو ما نسميه (المثاقفة والتثاقف) بجيث يورد المؤلف بعض مشاركات وتعليقات المتابعين، فيصبح المقال تشاركياً أو بإضافة الرؤى والتعليقات وفي هذا تفاعلاً ثقافوياً حيوياً، ويضيف بعداً رؤيوياً مفيداً!! وهذا يعطينا دلالة على قيمة الفيسبوك ثقافياً فهو ساحة تجمع المؤلف وقراءه ومتابعيه فيما يشبه الندوة الحوارية والنقاش التشاركي الذي يورد الرأي والرأي الآخر، ويورد التعقيبات التي تثري الموضوع من جوانب متعددة.
ومن ذلك ما جاء في المقالة (دور النشر في المعارض الدولية) (ص ص 176-180) حيث يشير إلى تفاعل القراء مع منشوره على الفيسبوك فيقول: يتوافق في الرأي أو الاختلاف أو إضافة وجهة نظر.. تردني تعليقات على (واتساب) من أصدقاء.. وبعض الأصدقاء يبادرون مشكورين بالتعليق.. الأديب الشاعر الدكتور يوسف العارف يعلق على الحديث بقوله: لا تنسى دور الأندية الأدبية… وعلق الكاتب الصحفي الأستاذ محمد المختار الفال فقال: رغم نبل المقصد……) ص178.
وفي مقال آخر بعنوان: (حواديت الدور الثالث ص ص241-246) يورد تعليقات الإذاعي الكبيرة أمينة صبري.. والدكتورة مريم الجوهي….!!
وهذا فقط أنموذجين من (الدويتو التشاركي) أو (التناص الثقافوي)… وإلا فالكتاب والكاتب يتميزان بهذه الإلتفاتة التشاركية من القراء والمتابعين!!
ولهذه الدويتوات التشاركية، والتناصات الثقافوية أهدى الكاتب كتابه إلى كل من شارك بالتعليق أو إضافة معلومة سواء موافقة أو اختلافاَ واعتبرها “جزءاً من الحديث ورفعت قيمته الثقافية” وشكرهم على “المشاركة الكريمة”!! ص5.
* * *
(3) وباختصار الكتاب جاء في 54 مقالة، وهي اختيار موفق من كم كبير من المقالات (الفيسبوكية)، ليؤكد لنا (المؤلف) أن هناك أحاديث متبقية في (السحَّارة) أو (الجعبة) لم يأت الدور على نشرها فللحديث بقية!! كما هو العنوان.
والكتاب يتبنى فلسفة (بنائية) أو (بنيوية) تتنامى في عدة مجالات فمن السيرة الذاتية نجد مثلاً مقالات عن: مناهج قسم الإعلام ص ص11-17 – وأحاديثه عن اللقاءات والمشاركات التي أسهم في حضورها والتفاعل معها.
وفي السيرة الغيرية نجد مثلاً المقالات التي تتحدث عن بعض الشخصيات الثقافية والصحافية والإعلامية مثل: أبو تراب الظاهري، ثامر الميمان، سباعي عثمان، وغيرهم ص ص 94-144.
ومن القراءات الثقافية نجد مثلاً العدديد من الكتب المقروءة تعريفاً ونقداَ وإعجاباً مثل كتاب الشيخ جميل الحجيلان، وكتاب رضا لاري بين قوسين، وكتاب محمد المختار الفال: الهوية في زمن القلق.. وغيرها.
ومن المجالات الإعلامية والإذاعية نجد المقالات التي تتناول شؤون الإذاعة وتطوراتها ومناقشة واقع ومستقبل الإعلام التقليدي مقارنة بالإعلام الجديد ثم نجد المجالات الثقافية والأدبية عبر الصداقات الثقافية واللقاءات والندوات التي يشارك فيها!!
وفي هذا دلالة على قدرة المؤلف (عدنان صعيدي) على المثاقفة الجادة والقراءات المعمقة والاختيارات الموفقة والحضور الثقافي مشاركة وعطاءً.
ومن كل هذه الفضاءات المعرفية والثقافية نقف على ثلاث سمات إبداعية في هذا الكتاب:
أولها: تكسير القوالب التقليدية في التآليف، حيث النشر المباشر عبر حسابه على (الفيسبوك) ومشاركة المتابعين وتعليقاتهم التي تضيف للفكرة أو تناقشها تأييداً أو اختلافاً.
وثانيها ترسيخ أدبيات الحوار وأن الاختلاف لا يفسد الود أو التقارب الثقافي، وإنما يوسع دوائر النظر، ويعطي الفرصة لإبداء وجهات وتوجهات المعرفة.
وثالثها: التعليق المعرفي فليس المنبر التقني هو المحمود فقط وإنما الإفادة منه كتابة تواصلية/ تشاركية ثم الانتقال إلى الحديث الورقي طبعاً ونشراً وتوثيقاً.
وبهذا يكون أمام القارئ تجربة كتابية جميلة في محتواها وفضاءاتها الموضوعية، وإبداعية في تناولها وأسلوب كتابتها (أدبياً وثقافياً وإعلامياً)، ومفيدة كإضافات معرفية وثقافية.
وبكل تأكيد فما بين دفتي الكتاب تجربة إنسانية وثقافية عاشها صاحبها المؤلف وعاش تفاصيلها ونقلهاإلى المجتمع القارئ ليحتفي معه بالإنجاز.. والمتعة.. والتنامي الإيجابي والمفيد.
ولعل العنوان الفرعي الذي اقترحته ابنة المؤلف (نوران) واقتنع به المؤلف والناشر وهو: (معايشة فكرية وثقافية واجتماعية) فيه الكثير من الإحاطة بمحتويات وموضوعات الكتاب بطريقة اللغة اللماحة، اللغة الموجزة، اللغة المكثفة ذات الدلالات العميقة، وهذه إضافة عتباتية يقف عندها النقاد ودارسو الأدب في صيغته المتجددة ومقارباته الحداثية. ولعلنا في قراءة تالية نقف عند هذه العتبات الموازية ، أو النصوص العتباتية كما هي عند المفكر والناقد الفرنسي (جيرار جينييت) أو نتركها لكاتب آخر يستوفي هذه الفعاليات، فالكتاب يستحق أكثر من قراءة ومقاربة تحليلية ونقدية!!
والحمد لله رب العالمين.
• مكة المكرمة
مساء الأربعاء 10/5/1448هـ
خلوة أدبية/ فكرية/ في أحد فنادق مكة!!






