المقالات

مع التحية للباحث الممؤلف/ أسامة عبدالله القحطاني وكتابه: الخط الحجازي في ضوء النقوش الإسلامية المبكرة.

(1) وتشاء الأقدار الربانية أن أتعرف على الأخ الأستاذ الخطاط المبدع أسامة عبدالله القحطاني في دولة عُمَان الشقيقة أثناء مشاركتي في الملتقى 25 لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون الخليجي في الفترة 23-26 أغسطس 2026م بمدينة صلالة بمحافظة ظفار، وكان ذلك صباح اليوم الأول الاثنين 24/8/2026م، وفي الجلسة الثالثة، حيث استمتعت بما قدمه في الورقة العلمية التي شارك بها في الملتقى وكانت بعنوان: حجازية الخط الكوفي، دراسة نقدية في ضوء النصوص التراثية المسماة (البيان الموفي في حجازية الخط الكوفي)… وفي المداخلات أعجبني ثناء البروفيسور أحمد الزيلعي وكثير من المداخلين على الباحث وعلى ورقته العلمية، وعلى جهوده الإبداعية في مجال الخط العربي كتابة، ودراسات وأبحاثاً !!
ويشاء الله – في مساء ذلك اليوم – أن ألتقيه على مائدة العشاء المقامة في منتزه (البليد) الأثري، حيث جلسنا سوياً على طاولة واحدة، وتبادلنا الأحاديث المعرفية، وأعربت له عن إعجابي بورقته العلمية التي قدمها صباحاً وعرَّفته أنِّي أتقن فن الخط العربي الذي تتلمذت فيه على يد الخطاط الكبير الأستاذ جلال أمين صالح أثناء دراستي في دار التوحيد الثانوية بالطائف، وهنا التقت اهتماماتنا المشتركة وازدادت أواصر المعرفة الأخوية وأهداني كتابه الموسوم بـ/ الخط الحجازي/ في ضوء النقوش الإسلامية المبكرة، الصادر عام 1446هـ/2024م في طبعته الأولى ، عن دار الديوان بالدمام.
وبعد القراءة والاستفادة رأيت أن أشرك القراء والمهتمين بكتابة تحليلية/ نقدية/ معرفية أتثاقف فيها مع الكاتب والكتاب لأنه جدير بكل ذلك.
* * *
(2) الكتاب من القطع المتوسط، وجاء في 162 صفحة وقدم له الدكتور عبدالله محمد المنيف/ عميد كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود بالرياض – وهو مختص في هذا المجال البحثي ويهتم بالكتابات والنقوش الإسلامية المبكرة.. وهذا يعطي الكتاب بعداً أكاديمياً ومعرفبياً، ويعطيه قيمة فنية وعلمية يستحقها الكاتب والكتاب.
ومنذ البداية يجد القارئ عتبة الإهداء إذ نلمس فيها تلك الروح المعترفة بأفضال السابقين من الآباء الذين يمثلون (الرعيل الأول) فيقول فيه:
” إلى الرعيل الأول… إلى من نقشوا على صفحات الصخور فانحنى الزمان لها احتراماً.. إلى من أضاءوا ظلمات الجهل بنور الحرف… إليكم يا صبناع البدايات ورسل الإصرار أهدي هذا الكتاب….” إلخ النص الجميل إهداءً وعبارة وشاعرية!!
ثم يتفرع الكتاب إلى تقديم ومقدمة وتمهيد ثم إلى مبحثين وكل مبحث إلى عدة مطالب (محاور) ثم خاتمة وملاحق. وكل هذا عبر منهجية أكاديمية/ بحثية تنطلق من الأسس النظرية ثم التطبيق ثم النتائج وتتحدد هذه المعطيات عبر أيقونة تعريفية يقول فيها الباحث: “يهدف هذا الكتاب إلى الكشف عن أصول هذا الخط التاريخية، ومفهومه الفني وعلاقته بالخطوط الإسلامية الأخرى..” ص ص 4-5.
ويجيب كذلك على تساؤلات المؤرخين والإخباريين حول نشأة الخط العربي ومفهوم الخط الحجازي ودراستها في ضوء النقوش الإسلامية المبكرة…” ص 5.
“ويقيم هذا الكتاب مقارنة تطبيقية بين الخط الحجازي والخط النبطي…” ص 5.
وينتهي بالتأكيد على أن الخط الحجازي يعد لبنة أساسية في بناء التراث الحضاري والثقافي والإسلامي، فهو الخط الذي حمل النصوص الأولى للقرآن الكريم، وشكَّل نواة الخطوط العربية لاحقاً… وهذا يجعله شاهداً على التحولات الثقافية والاجتماعية…” ص ص 5-6,
ومن كل ذلك تأتيناالقناعة أننا أمام جهد بحثي ومعرفي جدير بالمثاقفة والمداخلة والتعاطي معرفة واستفادة!!
* * *
(3) وإذا دخلنا إلى عمق الكتاب وتدارسنا مباحثه سنجد أننا أمام مادة معرفية تقودنا إلى ماضي الثقافة العريقة الإسلامية ونشوء الحروف العربية وتناميها نحو الخط العربي المعروف عبر الوقوف على النصوص المبكرة المنقوشة على الصخور وخاصة النقوش الإسلامية التي تكتسب أهميتها من كونها شواهد مادية تعضد وتقوي الروايات التاريخية، وسنكتشف أن المؤلف الكريم قد تتبع المسألة المدروسة عبر تجلياتها التاريخية، والفنية، والأثرية.. ففي الجوانب التاريخية نجد السياقات الزمانية والمكانية (الجغرافيا والتاريخ) فتحضر الكتابة الأولية في البيئة الحجازية منذ الفترات الإسلامية المبكرة جداً على هيئة نقوش وكتابات إسلامية/ قرآنية.
وهنا يناقش المؤلف تعريف المفهوم الاصطلاحي واللغوي للخط الحجازي حيث يؤكد أنه الخط المنسوب لإقليم الحجاز وظهر فيه وكُتبت به الحروف العربية منذ بداية الفترة الإسلامية ص50.
كما يعرف المفاهيم المتعلقة بالنقوش الإسلامية المبكرة وهي نقوش دينية وتذكارية وقرآنية وشعرية وتوثيقية ص ص 55-63.
ولعل الوقفة الأبرز في هذا الجانب هو مناقشة الإشكالية بين مصطلحي الحجازي والكوفي ليثبت في النهاية شيوع المصطلح الحجازي للكتابات القرآنية مقترناً بالخط المكي والخط المديني وكلاهما من منطقة (الحجاز) ص ص 64-82.
أما في الجوانب الفنية، فنجد الدراسة التحليلية لأشكال الحروف وخصائص رسمها مقارنة بالسمات الكتابية المنشورة في المصاحف القرآنية الأولى التي وزعت على الأمصار الإسلامية.
وأخيراً في الجوانب الآثارية نجد البعد التوثيقي والتعامل مع النقوش الإسلامية المبكرة بوصفها وثائق مادية وأن دراستها وإخضاعها للتحليل والمقارنة ستسهم في إعادة بناء وتطورات تاريخ الخط العربي واستعمالاته الفكرية والثقافية، حيث وجدنا المؤلف يقف على بعض النقوش الإسلامية ويورد صوراً لها، ويناقش معطياتها ويحلل خصائصها، ويصل إلى النتائج التي أضفت على البحث صفة الجدية والجدارة والأولوية وهذا ما يمثل جزء الدراسة التطبيقية والتي جاءت على الصفحات 84-139.
وبعد كل هذا التطواف البحثي، والمناقشات التحليلية، ودراسة النماذج الخطيَّة والنقشيًّة يصل إلى جملة من النتائج التي يؤكد فيها أن الخط الحجازي اكتسب مكانته وأهميته من اقترانه بتدوين الوحي القرآني، وأنه ارتبط بسلالة الخط النبطي في مراحله الأخيرة، وأن هذه النتائج تدحض مقولة الخط الكوفي الذي تعارف عليه كثير من الدارسين… ص ص 144-174.
* * *
(4) وأخيراً، فـ(الكتاب) الذي أخضعناه للدرس والتحليل يتنامى في الجدية والجدارة والأولوية من عدة جوانب وأبرزها الخط التداولي لمناقشة المسائل الشائكة وتحرير المفاهيم قبل بناء النتائج، والجمع بين المصادر التاريخية والشواهد المادية/ نقوشاً وآثاراً كتابية مبكرة، ومقارنة أقوال المؤرخين السابقين والمعاصرين، والتعريف بالنقوش الإسلامية المتوفرة في بلادنا السعودية وفي هذا تعزيز لحضور الدرس الآثاري السعودي في البحوث التاريخية والحضارية.
وهذا يجعلنا أمام دراسة بحثية تخصصية وذات قيمة تأصيلية وتوثيقية عن الخط العربي الذي هو وعاء الذاكرة الثقافية وشاهد على انتقال المعرفة من جيل إلى آخر عبر تطورات الوسائل والمضامين الحضارية!!
وفي نفس الوقت يجعلنا أمام باحث ودارس استثنائي يخوض غمار هذه المسائل الشائكة ويدلي بدلوه فيها بكل اقتدار وتخصص ومعرفة، مع إنه يجيء من حقول القانون والمحاماة ليلج إلى تخصص جديد في التاريخ الآثاري وتراث الخط العربي والفن الإسلامي.. وربماشجعه على ذلك تجويده للخط العربي فهو خطاط كبير وله إسهامات خطية وجمالية وفنية تشفع له للبحث في هذه القضايا المعرفية والآثارية وهو بها جدير وقدير إن شاء الله!!
والحمد لله رب العالمين.

جدة…

د. يوسف العارف

شاعر وناقد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى