كتاب الرأي

المملكة العربية السعودية… حين يتحدث الأثر

في عالمٍ تتبدل فيه الموازين، وتعلو فيه أصوات المصالح، لا تُقاس عظمة الأوطان بما تختزنه أرضها من ثروات وحدها، بل بما تتركه من أثرٍ في حياة الشعوب، وبما تمدّه من جسور حين تتسع الفجوات، وبما تتخذه من مواقف حين تضيق دروب التفاهم. ومن هذه المعاني تشرق مكانة المملكة العربية السعودية؛ وطنٌ يستند إلى جذور راسخة، ويحمل رسالةً تتجاوز حدوده، ويجمع بين ثقل السياسة والاقتصاد، وعمق الانتماء العربي والإسلامي، والسعي إلى أن يكون شريكًا فاعلًا في صناعة الاستقرار وفتح نوافذ التنمية والحوار. فالمكانة الحقيقية لا تصنعها الكلمات وحدها، وإنما تصدّقها المواقف وتمنحها الأيام معناها.

ومنذ البدايات، اختارت المملكة أن تكون حاضرة في صياغة النظام الدولي الحديث؛ فقد شاركت في مؤتمر سان فرانسيسكو، ووقّعت ميثاق الأمم المتحدة في 26 يونيو 1945، لتكون من الدول المؤسسة للمنظمة الدولية. ولم تكن تلك المشاركة مجرد توقيع على وثيقة تاريخية، بل إعلانًا عن إرادة دولة تؤمن بأن التعاون بين الأمم، واحترام المواثيق، وتسوية الخلافات بالحوار، أسسٌ لا غنى عنها لبناء عالم أكثر أمنًا وعدلًا. (الأمم المتحدة)

وتجلّى هذا الحضور في محطات دولية بارزة، من بينها رئاسة المملكة لمجموعة العشرين عام 2020، في مرحلة استثنائية واجه فيها العالم جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الصحية والاقتصادية. وقد أتاحت هذه الرئاسة للمملكة الإسهام في تنسيق الجهود الدولية، وتعزيز التعاون بين الاقتصادات الكبرى، وطرح قضايا الإنسان والازدهار والاستدامة على طاولة العمل المشترك. وهي محطة تكشف أن دور المملكة لا يقتصر على محيطها الإقليمي، بل يمتد إلى الملفات التي تمس مستقبل الاقتصاد العالمي.

وفي ميدان الدبلوماسية، برزت أهمية الحوار بوصفه طريقًا لتخفيف التوترات وفتح نوافذ للتفاهم. ومن الأمثلة اللافتة الاتفاق السعودي الإيراني الذي أُعلن في بكين في مارس 2023، برعاية صينية، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وقد عكس الاتفاق توجهًا نحو معالجة الخلافات عبر المسار الدبلوماسي، وأكد أن أمن المنطقة ومصالح شعوبها يحتاجان إلى تغليب لغة الحوار على منطق القطيعة والتصعيد.

أما في مجال التنمية والعمل الإنساني، فقد تجاوز أثر المملكة حدود الجغرافيا؛ فالصندوق السعودي للتنمية، الذي أُنشئ عام 1974، أسهم في تمويل مئات المشروعات والبرامج في أكثر من مئة دولة، في قطاعات تشمل التعليم والصحة والمياه والنقل والطاقة. وهذه المشروعات ليست أرقامًا في تقارير فحسب، بل مدارس ومستشفيات وطرق ومرافق تلامس حياة الناس، وتمنح المجتمعات فرصًا أوسع للنمو والاستقرار. كما تمثل المساعدات الإنسانية والتنموية وجهًا عمليًا للتضامن الدولي، حين تتحول الموارد إلى عونٍ يصل إلى المحتاجين.

ولأن الطاقة ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، فإن للمملكة دورًا محوريًا في أسواقها، بما تملكه من خبرة وإمكانات وقدرة على التواصل مع المنتجين والمستهلكين. ويظل التوازن في هذا القطاع بالغ الأهمية؛ إذ تنعكس اضطراباته على الاقتصادات، ولا سيما الدول النامية والأسر الأقل قدرة على تحمّل الأعباء. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى التعاون والحوار في قضايا الطاقة قيمة تتجاوز المصالح الآنية إلى استقرار الاقتصاد العالمي.

إن المكانة الدولية لا تُمنح مرة واحدة، ولا تُصان بالتاريخ وحده؛ إنها مسؤولية متجددة تُقاس بقدرة الدولة على تحويل ثقلها إلى مبادرات، ومصالحها إلى شراكات، ونفوذها إلى فرص للسلام والتنمية. وقد أثبتت المملكة، عبر محطات تأسيسية ومبادرات اقتصادية ودبلوماسية وإنسانية، أن حضورها الدولي يتشكل من تفاعل التاريخ مع الفعل، ومن ثبات المبادئ مع قراءة متغيرات العصر.

وهكذا، فإن مكانة المملكة ليست سطرًا عابرًا في سجل العلاقات الدولية، ولا صدى لتاريخٍ مضى، بل مسيرةٌ تتجدد كلما تحولت الإمكانات إلى مبادرات، والنفوذ إلى شراكات، والنجاح إلى منفعةٍ تتسع للإنسان أينما كان. والاعتزاز بهذا الوطن لا يقف عند حدود الفخر باسمه وموقعه، بل يمتد إلى الإيمان برسالته ومسؤوليته، وإلى الأمل في أن يظل حضوره بابًا للتقارب، ويده ممدودةً للتنمية، وصوته داعيًا إلى الحكمة والسلام. فالأوطان العظيمة لا تكتفي بأن يكون لها مكانٌ في خريطة العالم؛ إنها تترك في ضمير العالم أثرًا، وفي حياة الناس فرقًا، وفي المستقبل وعدًا يستحق أن يُروى.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى