كتاب الرأي

الحوثيون واستهداف المقدسات

ليست مكة المكرمة والمدينة المنورة مجرد مدينتين في جغرافية العالم الإسلامي، بل هما قلب الأمة النابض، ومهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومكانةٌ راسخة في عقيدة أكثر من مليار مسلم، لا تقبل المساومة أو العبث أو الاستهداف.
ومن هنا، فإن أي تهديد يطال أمن المملكة العربية السعودية، أو يستهدف مقدسات المسلمين، أو يعرّض حياة المدنيين للخطر، لا يمكن النظر إليه بوصفه خلافًا سياسيًا عابرًا، بل هو اعتداء على أمن المنطقة واستقرارها، واستفزاز لمشاعر المسلمين في أنحاء العالم.
لقد أثارت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة من جماعة الحوثي الإرهابية، وما رافقها من استهداف للمطارات والمنشآت المدنية، تساؤلات مشروعة عن الأهداف التي تسعى الجماعة إلى تحقيقها، وعن مدى انسجام هذه الممارسات مع شعاراتها التي ترفعها باسم الدين والمقاومة.
فأي قضية عادلة يمكن أن تبرر تعريض الأبرياء للخطر؟ وأي خطاب ديني يستطيع أن يمنح استهداف المدنيين والمنشآت العامة
إن الدين الإسلامي الذي جاء رحمةً للعالمين يرفض الاعتداء والظلم، ويؤكد حرمة الدماء والأموال، ويأمر بالعدل، ويحذّر من الفساد في الأرض. ولذلك، فإن اتخاذ الشعارات الدينية غطاءً لأعمال العنف لا يمنح تلك الأعمال شرعية، ولا يعفي أصحابها من مسؤولية ما يترتب عليها من أضرار ومعاناة.
الحوثيين بإيران، وما يُثار بشأن امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة، فيظل موضوعًا يستحق البحث في ضوء الوقائع والأدلة والمواقف المعلنة. غير أن المعيار الأهم في الحكم على أي جماعة أو مشروع هو ما يمارسه على أرض الواقع، ومدى احترامه لسيادة الدول وحق الشعوب في الأمن والاستقرار.
إن المملكة العربية السعودية، بما تمثله من مكانة دينية وسياسية، وبما تضطلع به من مسؤولية تجاه الحرمين الشريفين، لا تدافع عن أمنها وحدها حين تتصدى للتهديدات التي تستهدف أراضيها ومقدساتها، بل تدافع كذلك عن سلامة القاصدين والحجاج والمعتمرين والزوار، وعن حق المسلمين في أداء عباداتهم في أجواء من الطمأنينة والأمان.
ولذلك، فإن استهداف مكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو تعريض طرق الوصول إليهما للخطر، يمثل أمرًا بالغ الخطورة، لما له من آثار تتجاوز حدود المملكة إلى مشاعر المسلمين في العالم أجمع.
كما أن الاعتداء على المطارات والمنشآت المدنية لا يهدد البنية التحتية فحسب، بل يهدد حياة المسافرين والعاملين والأسر.
إننا اليوم أمام حاجة ملحّة إلى موقف عربي وإسلامي مسؤول، يرفض الاعتداءات أياً كان مصدرها، ويواجه محاولات توظيف الدين في الصراعات السياسية والعسكرية، ويؤكد أن أمن الدول العربية ليس ساحةً لتصفية الحسابات، وأن مقدسات المسلمين ليست أهدافًا للصواريخ ولا أوراقًا للمساومة.
إن الاختلاف السياسي لا يبرر العدوان، والشعارات الدينية لا تستر نتائج الأفعال، والتاريخ لا يحفظ الكلمات وحدها، بل يسجل ما يفعله أصحابها وما يتركونه خلفهم من أمن أو خراب.
وستظل المملكة العربية السعودية، بإذن الله، آمنة وقادرة على صون المقدسات، ومواصلة دورها في خدمة الحرمين الشريفين، انطلاقًا من مسؤوليتها الدينية والوطنية، وحرصها على أمن المنطقة واستقرارها.
فالدماء البريئة ليست وسيلة لتحقيق المكاسب، والمقدسات ليست ميدانًا للصراع، وأمن المسلمين مسؤولية لا تقبل التهاون.

محمد سعد الثبيتي

كاتب زارية «طلاليات»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى