المقالات

حين تترجم الآلة: أين يقف المترجم ثقافيا؟

كنت قد تناولت في مقال سابق هموم المترجم وما يعترضه من صعوبات في نقل مفردات ومفاهيم ومعانٍ ثقافية ودينية من لغته الأم إلى لغة وثقافة أخرى(اللغة الهدف)، وأكدت أن العثور على المقابل اللغوي قد يكون أحيانا أيسر أجزاء المهمة، إذ يكفي أن يعود المترجم إلى معجم أو قاعدة مصطلحات ليجد الكلمة التي تقابل الكلمة في اللغة الأخرى. لكن الصعوبة تظهر عندما لا تكون المشكلة في الكلمة وإنما في السياق الثقافي الذي يجعلها مفهومة لدى أبناء ثقافتها الأصلية ولامقابل دقيق لها في الثقافة الأخرى. فلو أخذنا-على سبيل المثال- عبارة «صلة الرحم». يستطيع المترجم أن ينقلها إلى الإنجليزية بعبارات مثل maintaining family ties أو kinship ties، لكن لايمكن أن تختزل أي من هاتين الترجمتين ما تحمله العبارة في الثقافة العربية الإسلامية من أبعاد ودلالات دينية وشرعية واجتماعية وأخلاقية. فالمشكلة هنا ليست أن اللغة الأخرى تفتقر إلى الكلمات، وإنما لأنها لا تملك بالضرورة عبارة واحدة تختزن المنظومة الثقافية نفسها. وتزداد المشكلة تعقيدًا حين نتعامل مع النصوص الأدبية والشعرية، فالشاعر لا يستخدم الكلمات لمدلولاتها المعجمية فقط، وإنما يبني بها صورا وإيحاءات واستعارات وإيقاعات قد لا تجد في اللغة الأخرى ما يعادلها تماما. ومن الأمثلة التي سبق أن تحدثت عنها في منصة X، قبل سنوات، قول الشاعر:
وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت
وردا وعضت على العُنّاب بالبرد
وذكرت حينها أن الترجمة الآلية قد تقف عاجزة أمام ترجمة هذا البيت، ليس لأن مفرداته عصية على النقل، وإنما لأن التحدي الحقيقي يكمن في إدراك الصورة الشعرية المركبة ثم إعادة إنتاجها في لغة أخرى دون أن تفقد شيئًا من معناها وجمالها.
فردّ عليّ حينئذ د. وليد الشعلان ، عميد كلية علوم الحاسب بجامعة الإمام محمد بن سعود وهو خبير الذكاء الاصطناعي والتقنية وكاتب أدبي تاريخي ،قائلًا:
«الحقيقة.. إنني و بما اطلعت واطلع عليه في مجالات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة.. فلست أرى أنه قادر على ترجمة هذا البيت فحسب.. بل على كتابة مثله!»
كانت مداخلته لافتة لأنها لم تتوقف عند السؤال: هل تستطيع الآلة أن تترجم؟ بل ذهبت إلى سؤال أبعد منه: هل تستطيع الآلة فعلا أن تنتج لغة تشبه اللغة التي ينتجها الإنسان بتصويرها و مجازها و جزالتها وجرسها الموسيقي؟ وكان ذلك يومها يبدو أقرب إلى التنبؤ منه إلى الوصف. وهذا ما حدث فعلا، إذ دخلت عالم الترجمة منذ وقت طويل من خلال ما يعرف بأدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب (CAT)، التي وفرت للمترجم ذاكرة للترجمات السابقة، وقواعد للمصطلحات، وأدوات لمراجعة الاتساق والجودة.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن هذه الأدوات لم تأتي لتحل محل المترجم( أو هكذا أظن ويظن الكثيرون من باب التفاؤل، على الأقل) وإنما لتعيد توزيع العمل الذي يقوم به. فبدل أن يقضي المترجم وقتا طويلا في البحث عن مصطلح سبق أن ترجمه، يمكن للنظام أن يسترجع الترجمة السابقة في لحظة. وبدل أن يبحث يدويا عن الاتساق بين عشرات الصفحات، يستطيع البرنامج أن يلفت نظره إلى مواضع الاختلاف. وبدل أن يبدأ كل نص من صفحة بيضاء، يمكنه أن ينطلق من مسودة آلية ثم يراجعها ويعيد صياغتها. أي أن التقنية أخذت شيئًا من العمل الميكانيكي للترجمة وتركت للمترجم مساحة أكبر للعمل الذهني الإبداعي.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليغير المعادلة بصورة أعمق. فالآلة لم تعد تكتفي باسترجاع ترجمة سابقة أو اقتراح مقابل لمصطلح، بل أصبحت قادرة على إنتاج نص كامل، وإعادة صياغته، وتفسيره، وتقديم بدائل متعددة، ومحاكاة مستويات مختلفة من الأسلوب، بل والكتابة في أنماط أدبية ولغوية متنوعة.وهنا بدأت الحدود القديمة بين “الأداة” و”المنتِج” تتداخل. فالمترجم اصبح اليوم مراجعا ومحررا وصاحب القرار الأخير أكثر من كونه مترجما. وهذا التحول يعيدنا، بصورة غير مباشرة، إلى المعضلة التي بدأت منها في هذا المقال وسابقه: “حال المقابل الثقافي”. فإذا كانت الآلة قادرة على إنتاج لغة سليمة ومقنعة، فهل يعني ذلك أنها أدركت بالضرورة المعنى الثقافي الكامن خلف اللغة؟
ربما أستطيع القول نعم، ولكن ليس بالضرورة دائما.
فاللغة قد تكون صحيحة، والجملة قد تكون فصيحة، والأسلوب قد يبدو طبيعيا، ومع ذلك تكون الترجمة قد أخطأت في المقام أو النبرة أو الإيحاء أو المرجعية الثقافية ومن هنا تتجلى أهمية دور المترجم البشري.
وهذه ليست مسألة نظرية تماما. فقد نشرت Humanities and Social Sciences Communications في يونيو 2026 دراسة حديثة قارنت بين ترجمات بشرية وترجمات ChatGPT-4o لخطابات سياسية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وركزت على الاختلافات في التعامل مع السياقات والأبعاد الأيديولوجية للنص. والنتيجة اللافتة هنا ليست أن الآلة “لا تعرف اللغة”، وإنما أن نقل الخطاب السياسي يتضمن طبقات من السياقات التي تتجاوز المعنى اللغوي المباشر إلى المعنى الثقافي الأعمق.
وهنا أجد أن الفرق بين الإنسان والآلة يصبح أكثر دقة.
فالآلة تستطيع أن تسأل: ما المقابل الأكثر احتمالا لهذه الكلمة؟ أما المترجم فيستطيع الغوص في أسباب اختيار مفردة دون أخرى وسياقها ومعناها من اللغة الأصلية وإلى اللغة الهدف ويختار الأقرب إلى المعنى المراد ترجمته إلى الثقافة الأخرى.

• أكاديمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى