المقالات

«خيرات».. حين لا ينتهي عمر النعمة عند آخر المائدة

لم أكن أتوقع أن تكون زيارتي لجمعية #خيرات_لحفظ_النعمة بهذه الدرجة من الإبهار. فقد بدأت الحكاية منذ اللحظة التي دَلَفْتُ فيها إلى مقر الجمعية في الرياض، تلبيةً لدعوة كريمة من القائمين عليها.
استقبلني مبنى فسيح، أنيق في تنظيمه، رَحْبٌ بمرافقه، يليق بِنُبلِ الرسالة التي يحملها. لكن ما شدّني لم يكن جمالُ المكان واتّساعه فحسب، بل الطريقة الذكية التي استُثمرت بها مساحاته، حتى بدا كل جزء منه مُخصّصًا لخدمةِ غاية إنسانية واضحة.
ولم يِطُلْ وقوفي عند هذا الانطباع؛ إذ اصطحبني المختصون والمختصات في جولة بين أقسام الجمعية، يتولى كل منهم شرح مهام قسمه، وطبيعة عمله، وعلاقته ببقية الأقسام. وكان لافتًا ذلك الوضوح الذي يتحدث به الجميع عن مسؤولياتهم، وما لمستُهُ من معرفة وإلمام بالتفاصيل.

انتقلنا من قسم إلى آخر، ومن مرفق إلى مرفق، وكانت التفاصيل تزداد إثارة للاهتمام؛ ثلاجات ضخمة خُصصت لحفظ أصناف مختلفة من الأطعمة، ومساحات منظمة للفرز والتجهيز، وأقسام تتعامل مع الوجبات والخضراوات والفواكه والحلويات، وَفْق طبيعة كل صنف ومتطلبات حفظه.
ولم يَكُنِ الشرح مقتصرًا على محتويات الثلاجات، بل امتدّ إلى درجات الحرارة المناسبة لكل نوع من الأغذية، وآليات التخزين والحفظ، والاشتراطات الصحية التي تحكم التعامل معها، وَفْق ما أوضحه المختصون من التزام بمعايير السلامة الغذائية المعتمدة عالميًا.
بحقّ، كان المشهد مدهشًا؛ ليس لكثرة ما يحتويه المكان من خيرات، بل لحسن إدارته لهذه الخيرات. فقد وجدتُ أمامي مؤسسة تدرك أن الطعام الذي سيصل إلى المحتاج يستحق من العناية ما يستحقه الطعام الذي نُعدّه لأنفسنا وأهلينا.
وهنا أدركت أنّ #حفظ_النعمة لا يعني إنقاذ الطعام من الهدْر فحسب، بل صَوْن كرامة الإنسان الذي سيصل إليه.
ولم تكن فساحة المبنى ورحابته مجرد ميزة معمارية؛ فقد انعكست على حُسْن توظيف المرافق، وتنظيم العمل بين مراحل الاستقبال، والفرز، والحفظ، والتجهيز، والتوزيع. وهي تفاصيل قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعبير عن احترام النعمة والمستفيد والمسؤولية.
وخلال الزيارة التقيت المدير التنفيذي لجمعية خيرات الأستاذ عبدالله السبيعي، الذي أضاف إلى ما شاهدته بُعدًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية.

تحدث باعتزاز عن رسالة #خيرات_، وعن الجهود المبذولة في حفظ الطعام الصالح للاستفادة وإيصاله إلى مستحقيه، مؤكدًا أن خير الجمعية يمتد إلى المواطن والمقيم على حد سواء، وأن الغاية الأساسية هي ألا تُهدر النعمة، وأن تجد طريقها إلى من ينتفع بها.
وقد استوقفتني هذه النظرة الإنسانية التي لا تضيق بجنسية المستفيد، ولا تختزل قيمة العمل في عدد الوجبات الموزعة، بل تنطلق من مبدأ بسيط وعميق: أنّ الطعامَ نعمةٌ، وأنّ الجائعَ إنسانٌ، وأنّ الخيرَ يتسع للجميع.
ثم أشار السبيعي إلى فئات متعددة انتفعت بخدمات الجمعية، ومن بينها #طُلاب_المنح_الدراسية من ذوي الظروف المادية المحدودة، الذين وجدوا في الوجبات المقدمة، بما تتمتع به من جودة وعناية بالسلامة الغذائية، عونًا حقيقيًا في حياتهم اليومية.
ولم تكن الفائدة مقتصرة على توفير الطعام؛ فقد أسهمت هذه الوجبات، كما أوضح، في تخفيف الأعباء المعيشية عن هؤلاء الطلاب، ووفّرت عليهم جزءًا مهمًا من مكافآتهم الشهرية، بما أتاح لهم توجيهها إلى احتياجات أخرى.
وهنا وجدتني أمام معنى آخر للعطاء؛ فهذه الوجبة التي أُنقذت من الهدر قد تكون بالنسبة إلى طالب مغترب فرصة لتخفيف نفقاته، أو معينًا له على مواصلة دراسته بقدر أكبر من الطمأنينة.

وهكذا يتجاوز أثر حفظ النعمة حدود المائدة، ليمتد إلى التعليم والاستقرار المعيشي وجودة الحياة.
ولم ينسب السبيعي هذا النجاح إلى فرد أو إدارة بعينها، بل أكد أن ما تحقق من إتقان وجودة هو ثمرة عمل تشاركي، تتكامل فيه جهود المختصين والمختصات والعاملين والمتطوعين، ضمن منظومة مؤسسية تتوزع فيها المسؤوليات، وتتناسق الأدوار، وتخضع العمليات لإجراءات منهجية واحترافية.

ولعل أبلغ ما يختصر فلسفة هذه التجربة ما قاله صاحب السمو الملكي الأمير فيصل ن_بندر بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض، عن الجمعية:
“إن هذه الجمعية جمعية خير ويجب أن نقف معها ونساندها وندعمها بكل ما أوتينا من قوة فهي تحفظ للإنسان كرامته وتحفظ للإنسان اقتصاده وتحفظ للإنسان وضعه الاجتماعي”.
إنها كلمات تضع العمل الخيري في موضعه الصحيح؛ فالمسألة ليست وجبة تُقدَّم فحسب، وإنما كرامة تُصان، وموارد تُحفظ، وتكافل يعزز استقرار المجتمع.
كما أنني توقفت طويلًا أمام الأرقام التي تضمنتها مطبوعات الجمعية، وأدركت أن وراء كل رقم حكاية عطاء، ووراء كل وجبة جهدًا لا يظهر للعيان.

فقد وَثَقَّتِ الجمعية في بيانات مشروعاتها أكثر من 21 مليون وجبة ضمن #مشروع_طعموني، وأكثر من 3 ملايين سلة من الخضراوات والفواكه عبر #مشروع_ثمار_خيرات.
أما تقرير عام 2024 فيشير إلى حفظ أكثر من 4.8 ملايين وجبة، وما يزيد على 531 ألفًا من الخضراوات والفواكه والتمور، فضلًا عن أكثر من 23 ألف حجز، و52 شراكة ورعاية.
الحقيقة أن هذه ليست أرقامًا للاحتفاء المجرد؛ بل إنها مؤشر إلى حجم الموارد التي أمكن إنقاذها من الهدر، وحجم المسؤولية التي تتحملها الجمعية في إيصال النعمة إلى مستحقيها.
وما يلفت النظر أن مشروعات #خيرات_ تتجاوز فكرة جمع الطعام وتوزيعه؛ فمشروع #أطعموني يُعنى بحفظ فائض الطعام الصالح من الفنادق والمطاعم وقاعات المناسبات، وإعادة تجهيزه وتوزيعه وفق اشتراطات الجودة والسلامة.
ومشروع #ثمار_خيرات يستثمر فائض أسواق الخضراوات والفواكه، ليصل إلى الأسر المستفيدة بدلًا من أن ينتهي إلى الإتلاف.
وتأتي مشروعات النقل والإطعام المتحرك لتمنح هذه الجهود امتدادها الميداني، حيث تصبح السيارة المجهزة وسيلة لحفظ النعمة وإيصالها بصورة آمنة ومنظمة.
غير أن ما استوقفني بصورة خاصة هو مشروع #اكتفاء، الذي يُعنى بتدريب وتأهيل وتوظيف أبناء الأسر المستفيدة، وقد أوردت مطبوعات الجمعية 21 موظفًا ضمن بيانات المشروع.
وهنا يتجاوز العطاء حدود المساعدة المؤقتة إلى بناء القدرة على الاعتماد على الذات؛ فأجمل ما يمكن أن نقدمه للمحتاج، بعد أن نَسُدَّ حاجته، أن نعينه على الاستغناء عن حاجتنا.
ومن الجوانب المهمة في تجربة الجمعية مشروع #لنحفظها التوعوي، الذي يذهب إلى أصل المشكلة: سلوك الإنسان وعلاقته بالاستهلاك؛ فحفظ النعمة لا يبدأ عند وصول سيارات الجمعية لجمع الفائض، بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ عند تقدير احتياجاتنا، وفي منازلنا ومناسباتنا وموائدنا، وفي وعينا بأن الوفرة لا تبرر الإسراف.
ولعل هذه الرسالة تستحق حضورًا أوسع في حياتنا اليومية؛ لأن المجتمع الذي يحسن التعامل مع موارده، إنما يحسن التعامل مع مستقبله.
وتكتسب هذه التجربة أهمية إضافية في ظل التحولات التي تعيشها المملكة ضمن #رؤية_السعودية 203_، وما منحته من اهتمام بتمكين القطاع غير الربحي، وتعزيز مساهمته في التنمية، ورفع كفاءة العمل المؤسسي واستدامة أثره.

وقد وجدت في القيم الخمس التي تتبناها الجمعية: الاستدامة، والمشاركة، والجودة، والتميز، والابتكار، ما يعكس هذا التوجه، خصوصًا حين تقترن القيم بمشروعات عملية وشراكات مجتمعية.
كما أن ما حققته الجمعية من جوائز وتقديرات في مسيرتها يؤكد أهمية الاستثمار في جودة العمل الخيري، لا الاكتفاء بحسن مقاصده.
لكنني أعتقد أن واجبنا تجاه هذه التجربة لا ينبغي أن يتوقف عند الإشادة بها؛ فكل أسرة، وكل مطعم، وكل فندق، وكل قاعة مناسبات، وكل منشأة لديها فائض طعام صالح للاستفادة، تستطيع أن تكون شريكًا في هذا الخير.
وقد أعجبتني العبارة التي اختارتها الجمعية لدعوتها المجتمعية: #حوّل_الهدر _إلى أجر.
عبارة قصيرة، لكنها تحمل دعوة كبيرة إلى أن نراجع سلوكنا، وأن نتذكّرَ أنّ ما يزيد عن حاجتنا قد يَسدُّ حاجة غيرنا.

ولمن أراد المشاركة، تتيح الجمعية طلب سيارة لحفظ النعمة عبر الرقم:
0537777266
ويمكن التعرف على مشروعات الجمعية ووسائل التواصل معها عبر موقعها:
www.khiyrat.org.sa
وحسابها على منصة X: @khiyrat
فالمشاركة لا تحتاج دائمًا إلى مال إضافي؛ قد تبدأ بطعام زائد نحسن التصرف فيه، أو بمناسبة نحرص على ألا يُهدر فائضها، أو بتعريف الآخرين برسالة الجمعية.

كلمة وفاء

أغادر هذه التجربة وأنا أحمل بالغ التقدير للقائمين على #خيرات، من مجلس إدارتها وقيادتها التنفيذية والعاملين والمتطوعين فيها، على كريم الاستقبال، وعلى ما يبذلونه من جهود تستحق الدعم والمساندة.
وأخص بالتقدير كل يد تعمل بعيدًا عن الأضواء؛ تجمع الطعام، وتفرزه، وتجهزه، وتنقله، وتوصله إلى مستحقيه، في عمل لا تُقاس قيمته بما يصل إلى الموائد وحدها، بل بما يحفظه من كرامة، وما يتركه من طمأنينة في نفوس الناس.
لقد خرجت من #خيرات بقناعة أعمق بأنّ حفظ النعمة ليس شأن الجمعيات وحدها، بل ثقافة ينبغي أن تسكن ضمير المجتمع كله.
فليس أعظم من أن نحفظ النعمة من الضياع، إلا أن نحفظ بها الإنسان من العوز.
شكرًا #خيرات_ لأنكم أثبتم أنّ فائض النعمة يمكن أن يكون بداية عطاء، وأن الخير حين يجد من يحسن إدارته، تتسع بركته، ويعظم أثره.
فلنكن شركاء في الخير والأجر؛ فما يزيد عن موائدنا قد يكون موضع حاجة على موائد الآخرين.

عبدالله الحسني

أديب.. وكاتب .. ومدير تحرير جريدة الرياض يابقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى