كتاب الرأي

جبل طويق… حين تتحوّل الجغرافيا إلى رمزٍ للعزيمة

ليست الجبال في ذاكرة الشعوب حجارةً صامتةً فحسب؛ فقد تتحوّل، حين تتصل بالوجدان والهوية، إلى معانٍ تختصر تاريخاً من الصبر، وتمنح الحاضر صورةً عن طموح المستقبل. ومن بين جبال المملكة العربية السعودية، يبرز جبل طويق بوصفه أكثر من معلم جغرافي؛ إذ غدا رمزاً للعزيمة الراسخة والإرادة التي لا تعرف الانكسار، بعدما ارتبط اسمه بعبارةٍ شهيرة لخّصت طموح السعوديين وثقتهم بقدرتهم على الإنجاز.

«همة السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر إلا إذا انهدّ هذا الجبل وتساوى بالأرض». بهذه العبارة عبّر صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عن روح الطموح والإصرار التي تستند إليها مسيرة المملكة. ولم يكن اختيار طويق اعتباطياً؛ فالجبل بما يحمله من حضورٍ مهيب وامتدادٍ لافت، يقدّم صورةً بصريةً قوية لمعنى الثبات والصلابة.

يقع جبل طويق في منطقة نجد، ويمتدّ على هيئة قوسٍ جبلي طويل في قلب الجزيرة العربية، من شمال غربي الرياض باتجاه الجنوب، حتى يقترب من أطراف الربع الخالي. ويتكوّن في معظمه من صخور رسوبية، وتمنحه حوافه المرتفعة وتشكيلاته الصخرية مظهراً مميزاً، يلفت أنظار المسافرين ويكشف عن جانب من الطبيعة المتنوعة التي تزخر بها المملكة.

ويرتبط اسم «طويق» في التفسير الشائع بكلمة «الطوق»، لما يبدو عليه امتداده من انحناءٍ يطوّق أجزاءً من هضبة نجد. وتحيط به بيئات صحراوية تتبدّل ملامحها مع مواسم الأمطار؛ فتتفتح النباتات البرية، وتكتسي بعض الروضات بالخضرة والأزهار، في مشهدٍ يذكّر بأن الصحراء، على قسوتها الظاهرة، تختزن حياةً وجمالاً ينتظران المطر.

ولطويق حضورٌ في الذاكرة الأدبية أيضاً؛ فقد استلهم الشعراء قديماً تضاريس اليمامة وما يحيط بها من جبالٍ وهضاب، وصوّروا صخورها الشامخة في صورٍ تستحضر السيوف المرفوعة والقمم المتعالية. وهكذا ظلّت الجغرافيا مادةً للخيال والشعر، كما أصبحت في عصرنا رمزاً وطنياً يعبّر عن الاعتزاز بالمكان والانتماء إليه.

إن استحضار جبل طويق في خطاب ولي العهد يعيد توجيه الأنظار إلى معالم الوطن وما تختزنه من دلالات؛ فالمكان ليس خلفيةً صامتةً للحياة، بل جزءٌ من الذاكرة المشتركة ومصدرٌ للإلهام. وحين يُشبَّه الطموح بجبلٍ راسخ، فإن الرسالة تتجاوز وصف الصلابة إلى تأكيد أن الإنجاز يحتاج إلى عزيمةٍ طويلة النفس، وعملٍ متواصل، وثقةٍ لا تتراجع أمام التحديات.

وهكذا لم يعد جبل طويق مجرد امتدادٍ صخري في قلب نجد؛ لقد أصبح استعارةً وطنيةً تختصر معنى الهمة السعودية: جذورٌ ضاربة في الأرض، وقممٌ تتطلع إلى الأفق. فالجبل يظل شاهداً على صلابة الطبيعة، أما صلابة الإنسان فتتجدد بما يصنعه من عملٍ وأملٍ وإنجاز. وإذا كانت الجبال تُقاس بارتفاعها وامتدادها، فإن همة الشعوب تُقاس بما تبلغه من آفاق؛ وطويق، في الوجدان السعودي، صورةٌ لعزيمةٍ اختارت أن تتقدم، لا أن تنحني.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى