كتاب الرأي

تاريخ الفتوحات بين الدليل والتضليل

يقتضي البحث التاريخي الانتقال من التأكد من حقيقة النص إلى نص الحقيقة،أي التحقق من صحة الرواية ومصدرها، وتحليل سياقها ودلالاتها للوصول إلى ما تثبته الأدلة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والاستنتاجات المتعجلة. فالتاريخ لا يُنصفه التسليم المطلق، ولا ينقضه التشكيك المجرد، بل يحكمه المنهج وقوة البرهان.

شهدت منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست ويوتيوب انتشار طروحات تشكك في صحة الفتوحات الإسلامية، مستندة إلى أرقام وروايات تُعرض أحيانًا خارج سياقاتها.
ومن أبرزها الادعاء بأن سكان المدينة المنورة في عهد النبي ﷺ لم يتجاوزوا خمسمئة نسمة، ثم اتخاذ ذلك مدخلًا للتشكيك في قدرة المسلمين على مواجهة الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية وتحقيق الانتصارات التي غيّرت خريطة المنطقة.

ولفحص هذا الادعاء، تبرز دراسة الباحث ماجيد روبنسون المنشورة عام 2022، التي اعتمدت تحليل الأنساب القرشية وبيانات الزواج لتقدير سكان مكة، وانتهت إلى نحو 552 شخصًا وفق منهجها وافتراضاتها الديموغرافية. غير أن الدراسة تناولت مكة لا المدينة المنورة، وقدمت تقديرًا بحثيًا لا تعدادًا قطعيًا. ومن ثم فإن نسبة الرقم إلى المدينة خطأ في تحديد المكان، واتخاذه دليلًا على استحالة الفتوحات استنتاج لا تسنده الدراسة.

كما أن عدد سكان مدينة في مرحلة معينة لا يساوي حجم القوى البشرية التي تشكلت لاحقًا في دولة امتد نفوذها إلى أقاليم واسعة. فالفتوحات لم تكن حملة واحدة شارك فيها أهل المدينة وحدهم، بل سلسلة من التحولات العسكرية والسياسية شاركت فيها قبائل عربية متعددة، وتأثرت بالتنظيم والقيادة والتحالفات وأوضاع الإمبراطوريتين وصراعاتهما الداخلية. لذلك لا يكفي رقم منفرد لتفسير هذه التحولات أو نفيها.
وهنا يتجلى الفرق بين النقد العلمي المشروع، الذي يفحص المصادر ويقارن الروايات ويقبل مراجعة نتائجه، والتشكيك الانتقائي الذي يقتطع معلومة من سياقها ويبني عليها استنتاجًا يتجاوز دلالتها. فتكرار الادعاء عبر المنصات لا يحوله إلى حقيقة، وجاذبية المحتوى لا تعوض نقص التوثيق.
إن مواجهة التضليل التاريخي مسؤولية مشتركة تستدعي حضورًا فاعلًا للجامعات ومراكز البحث والمؤرخين في الفضاء الرقمي، عبر توثيق الادعاءات وتفنيدها ونشر المعرفة بلغة واضحة. كما تتطلب وعيًا مجتمعيًا لا يكتفي بالمقاطع المثيرة، بل يسأل عن المصدر ويمحّص الحجة.

وعليه، ندعو المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والباحثين إلى إطلاق جهد علمي منظم للتحقق من الادعاءات التاريخية المتداولة، وتقديم ردود موثقة تصل إلى الجمهور، كما ندعو المتلقين إلى التثبت قبل التصديق أو إعادة النشر. فالتاريخ الإسلامي ليس فوق النقد، لكنه ليس مباحًا للأحكام المتعجلة. ولنحكم على الروايات بميزان الدليل، لا بضجيج المنصات
ولنجعل الانتقال من التأكد من حقيقة النص إلى نص الحقيقة منهجًا يحمي الذاكرة التاريخية من الاجتزاء، ويصون البحث العلمي من التضليل، ويجعل البرهان أساس كل حكم على الماضي

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى