المقالات

بعد قرنٍ من الاجتهاد.. التجارة السعودية تجد نصّها

قراءة في نظام المعاملات التجارية

وافق مجلس الوزراء يوم الثلاثاء 1448/5/16هـ على نظام المعاملات التجارية، لتُطوى صفحة تشريعية امتدّت قرابة قرن. فمنذ نظام المحكمة التجارية الصادر عام 1350هـ ظلّت أحكام التجارة موزّعةً بين ثلاثة أنظمة: النظام التجاري، ونظام الأوراق التجارية، ونظام الدفاتر التجارية. وكان على التاجر والقاضي أن يتنقّلا بينها ويسدّا فراغها بالاجتهاد، في سوقٍ تغيّر وجهها كله: من الدكّان إلى المنصّة، ومن الدفتر الورقي إلى الحساب الرقمي.

اليوم يجتمع الشتات في نظامٍ واحد، يشمل كل ما يرتبط بالأعمال التجارية، والتاجر والتزاماته، والمتجر، والعقود التجارية، والأوراق التجارية. فلا يعود المتعامل مضطرًا إلى البحث عن الحكم في أكثر من مرجع، ولا يُترك النص الغائب لاجتهادٍ قد يختلف من قضية إلى أخرى.

ولأول مرة، تجتمع في وثيقةٍ واحدة أحكام البيع التجاري، والبيع بالتوريد، والوكالة التجارية، والوساطة. وهي عقودٌ تجري بها الأسواق كل يوم، وصار لها الآن مرجعٌ واحد يُحتكم إليه عند الخلاف.

ويفتح النظام الباب أمام جيلٍ جديد من روّاد الأعمال؛ إذ يسمح للصغير متى بلغ خمسة عشر عامًا بممارسة التجارة، بإذنٍ من وليّه أو وصيّه أو المحكمة، بعد أن كان ذلك ممنوعًا على من لم يبلغ الثامنة عشرة. فالموهبة التجارية لا تنتظر سنّ الرشد، لكنها تبقى في كنف الوليّ ورقابة القضاء.

ويواكب النظام عصره في السجلات المحاسبية، فيجيز حفظها إلكترونيًا أو ورقيًا باللغة العربية، مع منح التاجر خيار حفظها بلغةٍ أخرى إضافةً إلى العربية، بعد أن كانت تُحفظ ورقيًا وبالعربية فقط. فصاحب المنشأة الصغيرة الذي يدير حساباته من هاتفه، والشركة التي تتعامل مع شركاء من خارج المملكة، كلاهما يجد في النص الجديد ما يوافق واقعه.

غير أن أثمن ما في النظام ليس مادةً بعينها، بل ما تصنعه المواد مجتمعة: القدرة على التنبؤ. فحين يعرف المتعاقد حكم معاملته قبل أن يوقّع، تقلّ النزاعات، ويُختصر طريق العدالة، ويطمئن المستثمر إلى أن هنا سوقًا يحكمها نصٌّ واضح، ويُحمى فيها الحق، وتُصان فيها الكلمة.

بعد قرنٍ من الاجتهاد، وجدت التجارة السعودية نصّها؛ نصًّا يجمع ما تفرّق، وينظّم ما كان معلّقًا، ويمنح السوق ما تحتاجه أكثر من أي شيء: الثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى