المقالات

قراءة نقدية | عبدالله الزهراني.. من تفاصيل الحياة اليومية إلى صناعة المقال

من رسالة وفاء لصديق يتذكر والده، إلى ثلاثة حوارات عابرة مع زملائه، يكشف الكاتب الصحفي عبدالله أحمد الزهراني عن جانب لافت من مهارة بناء المقال، وقدرته على التقاط الفكرة من تفاصيل الحياة اليومية، وتحويل المواقف البسيطة إلى نصوص تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية ووطنية.
فالمقال الجيد لا يبدأ دائمًا بقضية كبرى أو حدث استثنائي، وقد لا يحتاج إلى مناسبة عامة أو معلومات كثيرة. أحيانًا تكفي رسالة قصيرة على الهاتف، أو عبارة يقولها صديق، أو موقف يمر سريعًا في يوم مزدحم، ليجد الكاتب أمامه مادة تستحق التأمل والكتابة.
هذه المهارة تظهر بوضوح في مقالين نشرهما الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، خلال أكتوبر 2026، هما «نبيه يذكّرني بأبي» و«الحمد لله على نعمة السعودية». وعلى اختلاف موضوعيهما، يجمعهما خيط واحد: القدرة على اكتشاف الفكرة الصحفية والإنسانية في حدث عادي، ثم بناء مقال متكامل حولها.
من رسالة قصيرة إلى مقال عن الوفاء
في 15 أكتوبر، نشر الزهراني مقاله «نبيه يذكّرني بأبي»، وكانت نقطة انطلاقه رسالة تلقاها من صديقه نبيه بن مراد العطرجي، يذكّره فيها بذكرى وفاة والده ويدعو له بالرحمة والمغفرة.
لم تحمل الرسالة خبرًا جديدًا، ولم تتضمن حدثًا استثنائيًا. كانت كلمات قليلة اعتاد الصديق إرسالها سنويًا، لكن الكاتب توقف أمام معناها، ووجد فيها سؤالًا يستحق الكتابة: ما الذي يجعل صديقًا يحتفظ بتاريخ وفاة والد صديقه، ويحرص على تذكّره كل عام؟
من هنا بدأ بناء المقال.
استعاد الزهراني ذكرى رحيل والده، وما تركه الغياب من أثر في نفسه، لكنه لم يجعل النص مجرد رثاء شخصي. فقد نقل القارئ تدريجيًا من مشاعر الفقد إلى قيمة الوفاء، ثم إلى مفهوم أوسع للصداقة التي تثبتها المواقف أكثر من كثرة اللقاءات والاتصالات.
وكان من التفاصيل المؤثرة في البناء اعتراف الكاتب بأن رسالة نبيه قد تكون الرسالة الوحيدة التي يتلقاها منه طوال العام. هذه المفارقة منحت المقال عمقه؛ فالصديق قليل التواصل أصبح حاضرًا بقوة في مناسبة شديدة الخصوصية.
واستثمر الزهراني تفصيلًا آخر حين استعاد زاوية «مودة الفؤاد» التي كان يكتبها نبيه في صحيفة مكة، ليصل بين المودة التي كتب عنها الصديق والمودة التي مارسها بالفعل.
وهكذا انتقل المقال من رسالة شخصية إلى تأمل إنساني في معنى الصداقة والذاكرة والوفاء.
وتكمن مهارة البناء هنا في أن الكاتب لم يضخّم الواقعة، بل استخرج معناها الكامن، وترك للتفاصيل الصغيرة أن تمنح النص تأثيره.
ثلاثة مواقف تصنع مقالًا وطنيًا
بعد ثلاثة أيام، في 18 أكتوبر، نشر الزهراني مقاله الثاني «الحمد لله على نعمة السعودية»، الذي اتخذ مسارًا مختلفًا في الموضوع، لكنه اعتمد المهارة نفسها في التقاط الفكرة.
بدأ المقال من ثلاثة حوارات عابرة مع زملائه، لم يكن بينها ارتباط ظاهر.
الأول مع زميل يقيم في فرنسا، اختصر وصفه للأوضاع هناك بعبارة «الوضع مؤلم»، متحدثًا عن ضغوط المعيشة والتحديات التعليمية.
والثاني مع زميل أخبره بأن والدته ستحصل على خدمة الرعاية الصحية المنزلية، وأن فريقًا طبيًا سيزورها في منزلها.
أما الثالث، فكان مع زميل تحدث عن اتصال تلقاه من مدرسة ابنته للاطمئنان على صحتها بعد غيابها بسبب المرض.
ثلاث وقائع مختلفة، إحداها خارج المملكة، واثنتان من تفاصيل الحياة اليومية داخلها.
لكن الزهراني وجد بينها رابطًا معنويًا واحدًا، واختار عبارة «الحمد لله على نعمة السعودية» لتكون عنوان المقال ومحوره المتكرر.
وهنا تتجلى مهارة أخرى في بناء النص، هي جمع الوقائع المتفرقة داخل فكرة مركزية واحدة.
فقد استخدم الكاتب الموقف الأول لعرض جانب من معاناة الآخرين، ثم انتقل إلى الرعاية الصحية والتعليم في المملكة من خلال تجربتين إنسانيتين مباشرتين، قبل أن يوسّع زاوية النظر إلى ما تشهده البلاد من تطور في الخدمات وجودة الحياة.
ولم يبدأ مقاله بأرقام أو تقارير حكومية أو استعراض للمشروعات، بل بدأ بالإنسان؛ بقلق زميل على حياته، واطمئنان أسرة على والدتها، واهتمام مدرسة بصحة طالبة.
ومن هذه المشاهد الصغيرة وصل إلى القضية الأكبر: قيمة النعم التي يعيشها المواطن والمقيم، وأهمية استشعارها والمحافظة عليها.
كما أدت العبارة المتكررة دورًا بنائيًا واضحًا؛ إذ فصلت بين المواقف الثلاثة وربطتها في الوقت نفسه، ثم عادت في الخاتمة لتجمع خيوط المقال.
أين تظهر مهارة الزهراني في بناء المقال؟
عند قراءة النصين قراءة تحليلية، يمكن ملاحظة عدد من الخصائص في طريقة الكاتب.
أولها قوة الملاحظة؛ فهو لا ينتظر أن تأتيه الفكرة مكتملة، بل يلتقطها من موقف قد يمر على غيره دون أن يتحول إلى موضوع للكتابة.
وثانيها قدرته على تحديد الزاوية المناسبة. فرسالة نبيه كان يمكن أن تتحول إلى كلمات شكر عابرة، لكنه اختار منها زاوية الوفاء. والحوارات الثلاثة كان يمكن أن تبقى أحاديث شخصية، لكنه جمعها تحت فكرة الامتنان للوطن.
أما الخاصية الثالثة فهي الانتقال من الخاص إلى العام. يبدأ الزهراني من تجربة عاشها بنفسه، ثم يفتحها على معنى يمكن للقارئ أن يجد فيه شيئًا من تجربته الشخصية.
وتظهر الخاصية الرابعة في استخدام الحوار والعبارات الأصلية؛ إذ تمنح الكلمات المنقولة عن الأصدقاء النص حيوية ومصداقية سردية، وتخفف من هيمنة الشرح المباشر.
والخامسة هي العناية بالخاتمة، حيث يعود الكاتب إلى نقطة الانطلاق بعد أن يكون قد وسّع دلالتها. ففي المقال الأول يعود إلى الصديق والوالد، وفي الثاني تعود المواقف الثلاثة لتجتمع في عبارة الامتنان للسعودية.
العاطفة والفكرة.. توازن يحتاج إلى مهارة
لا تعني الكتابة انطلاقًا من التجارب الشخصية أن المقال يكتسب قيمته تلقائيًا. فهناك فرق بين تسجيل موقف يومي وبين تحويله إلى نص قادر على جذب القارئ.
وفي المقالين، تبدو العاطفة حاضرة دون أن تكون وحدها أساس البناء؛ إذ يربط الكاتب مشاعره بفكرة واضحة، ويستخدم الوقائع لتطويرها.
ومع ذلك، فإن لكل مقال طبيعته وحدوده. فـ«نبيه يذكّرني بأبي» أقرب إلى المقال الوجداني التأملي، وتنبع قوته من صدق التجربة وتفاصيلها. أما «الحمد لله على نعمة السعودية» فهو مقال اجتماعي ووطني يستند إلى مشاهد شخصية لتقديم رؤية أوسع، دون أن تكون تلك المشاهد وحدها دليلًا شاملًا على المقارنة بين أوضاع الدول.
وهذا التمييز مهم في قراءة فن المقال؛ فالتجربة الشخصية تصلح مدخلًا قويًا للتعبير عن فكرة، لكنها لا تغني عن الأدلة عندما ينتقل الكاتب إلى أحكام عامة تحتاج إلى توثيق.
الكاتب الذي يرى فيما لا يلتفت إليه الآخرون
تكشف التجربتان عن جانب مهم في أسلوب عبدالله الزهراني، يتمثل في قدرته على تحويل الحياة اليومية إلى مادة للكتابة.
فهو في المقال الأول لم يكن يبحث عن موضوع عن الصداقة، بل جاءت الفكرة من رسالة وفاء. وفي المقال الثاني لم يكن يخطط لكتابة مقال عن التنمية والخدمات في المملكة، وإنما قادته ثلاثة حوارات إلى هذا الموضوع.
وبين التجربتين تظهر قيمة المهارة التحريرية التي تسبق الكتابة نفسها: اكتشاف ما يستحق أن يُكتب عنه.
فامتلاك اللغة وحده لا يكفي لصناعة المقال، كما أن توفر المعلومات لا يضمن إنتاج نص مؤثر. يحتاج الكاتب إلى عين تلاحظ، وذهن يربط، وحس إنساني يدرك قيمة التفاصيل، ثم قدرة على ترتيب هذه العناصر في بناء متماسك.
ولعل ما يميز المقالين أنهما يقدمان نموذجين مختلفين لهذه العملية؛ الأول يبدأ من رسالة واحدة ويتعمق في معناها، والثاني يبدأ من ثلاث وقائع متفرقة ويجمعها في فكرة واحدة.
وهنا تتضح مهارة بناء المقال عند الزهراني: أن يرى في الكلمات العابرة ما يستحق التأمل، وأن يمنح الموقف الصغير مساحة أكبر من حجمه دون أن يفقد بساطته.
فليست براعة الكاتب في العثور على موضوعات كبيرة فحسب، وإنما في قدرته على اكتشاف الموضوع الكبير داخل التفاصيل الصغيرة.
وهذه، في جوهرها، واحدة من أهم مهارات كتابة المقال الصحفي والإنساني.
———
• قراءة نقدية مستقلة مبنية على النصين المنشورين في صحيفة مكة الإلكترونية يومي 15 و18 أكتوبر 2026.

د. فيصل أحمد الشميري

عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام بجامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى