أؤمن كثيراً بأن في شبابنا خير كثير حتى وإن ذهبوا يمنة أو يسرة فسرعان ما يعودون إذا وجدوا من يحتويهم.
أتيحت لي الفرصة للمشاركة في لقاء اجتماعي يجمع مجموعة من الشباب الذين هم كالبراعم في ريعان الربيع تتوقد في عيونهم الحياة وتختلط في ملامحهم البراءة مع حيرة العصر. كنت أتأمل في وجوههم وأبحث عن (المفتاح) الذي يفتح قلوبهم قبل عقولهم ذلك المفتاح الذي أدركت أنه لا يكمن في قوة الصوت أو علو المكانة بل في الحوار الموضوعي والنقاش الهادئ واحترام الجمهور الذي أمامك.
بدأت حديثي معهم عن الوقت ذلك النهر الذي لا يعود وتحدثت عن أن تنظيم الوقت ليس قيداً يمكن فرضه بل هو فنّ الحرية الحقيقي. فعندما يحسن الشاب جدولة وقته يجد متسعاً لهواياته التي يحب وتفوقه الدراسي الذي يطمح إليه والأهم من ذلك كله الجلوس مع أسرته ذلك الحضن الدافئ الذي يحميه من برودة العالم. وطرحت قاعدة ذهبية لا من باب الشدة بل من باب الحب والحرص بضرورة العودة إلى المنزل قبل العاشرة مساءً. فمن تأخر عن بيته وملاذه الآمن إلى وقت متأخر فمشكوك في أمره، ليس من باب الشك فيه كشخص، بل شكاً في الظروف التي تحيط به ليلاً.
وأنا أتحدث كنت أراقب ردود الفعل فلاحظت في وجوههم إنصاتاً لم أعهده من قبل وكأنهم وجدوا في كلماتي صدىً لفطرة لا تزال حية في أعماقهم. ولا سيما أن هناك دراسات تؤكد ما أدركه الآباء والأجداد بالفطرة فالشباب في هذه المرحلة لا يكتمل نضج الفص الجبهي لديهم وهو المركز المسؤول عن اتخاذ القرار وضبط النفس، والسهر يُخلّ بإفراز بعض الهرمونات مما يؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية واتخاذ قرارات متهورة ليلاً. والوقت هو حياة الإنسان، وقد أقسم الله به في كتابه العزيز والبيت هو السكينة والخروج عنه في ساعات السكون ربما يفقد الشاب حصنه الاجتماعي والأمني. ثم انتقلتُ في حديثي بسلاسة، كما يغير المرء القناة في جهاز التحكم عن بعد دون أن يشعر المشاهد أنه مجبر على ذلك إلى موضوع الجليس. وتحدثتُ عن ظاهرة عجيبة كيف يجلس الشاب مع والده أو أخيه ينصحه بالساعات والمنطق فلا يقتنع؟ بينما يكفيه جليس سوء لينفث في أذنه بكلمة أو يريه مقطعاً فيغير كل قناعاته رأساً على عقب. فالجليس لا يقنعك بالمنطق بل يعديك بالسلوك والمزاج عبر ما يعرف (بالعدوى النفسية). فالأقران عادة يمثلون الهوية الاجتماعية للشاب وكلمة منهم تعادل ساعات من نصائح الوالدين لأنها تمس حاجته للانتماء. وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة حين شبه الجليس الصالح بحامل المسك والجليس السوء بنافخ الكير فالنافخ قد يحرق ثيابك والرائحة الخبيثة قد تلازمك فترة طويلة.
وعرجت بعد ذلك على موضوع العقل ذلك الكنز الذي كرّم الله به الإنسان. وتساءلت: كيف للشاب أن يبيع عقله بثمن بخس؟ ويصل الحديث عن (بيع العقل بثمن بخس) إلى قمته المأساوية حين يتعلق الأمر بمن يحاول جر الشباب إلى مستنقع المخدرات. ذلك الشر اللعين والخطر المميت والظلام الدامس الذي لا يسرق الوقت أو الرأي فحسب بل يسرق كل الإنسانية. تاجر المخدرات أو مروجها هو أفظع أشكال جليس السوء فهو لا ينفث في الأذن بكلمة فحسب بل يسمم الجسد والعقل معاً ويبيع الشاب وهماً زائفاً بالسعادة مقابل تدمير مستقبله وكرامته. هنا يكون (بيع العقل) هو الخسارة الفادحة التي لا تعوض لأن الشاب يتنازل عن أغلى ما يملك لأقل ما يمكن أن يُمنح له. وكم من شاب كان مليئاً بالطموح فأطفأ هذا المستنقع نوره وحوله من صانع للمستقبل إلى أسير للماضي.
وفي تصوري البسيط وفي عصرنا الحالي أصبحت هذه الرسالة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فنحن نعيش في عصر التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي حيث تواجه عقولنا خطراً لم يسبق له مثيل. تلك الخوارزميات التي صممت لاختطاف الانتباه وسرقة الوقت وتشتت الذهن. والذكاء الاصطناعي الذي يغريك بمحاولة التفكير نيابة عنك. والأدهى من ذلك أن يتحول الشاب من مفكر ناقد إلى مجرد مستقبل لأفكار تم توليدها آلياً أو لما يعرف بالمؤثرين الافتراضيين ويسلم عقله لترند تافه أو لذكاء اصطناعي يكتب له أفكاره ومعتقداته. هذا هو بيع العقل بثمن بخس في القرن الحادي والعشرين.
وناقشت معهم ما يعرف (بالتفويض المعرفي) للذكاء الاصطناعي، حيث حذر علماء الأعصاب من أن السماح للآلة بالتفكير واتخاذ القرارات اليومية نيابة عن الأشخاص يؤدي إلى ضمور بعض الخلايا العصبية في الدماغ، ويضعف العضل العقلي تماماً كعضلات الجسم التي تضعف إذا توقف المرء عن ممارسة الرياضة والمشي كما تشير إلى ذلك بعض الدراسات. فالذكاء الاصطناعي قد ينتج لك المعلومة لكنه لن ينتج لك الحكمة التي تحتاج إلى قلب يعي وعقل يفكر وجليس صالحٍ يذكر. فالعقل أحياناً يحتاج إلى الصمت من أجل أن يفكر ويخلو المرء مع ذاته ويحاول القرآءة المتعمقة لا السطحية.
ولكن في الوقت ذاته ومن منطلق النظرة الموضوعية فإن التقنية الرقمية لا ينبغي تصورها كوحش كاسر فحسب بل هي أداة محايدة في أيدي الشاب. ويتجلى الفرق الجوهري هنا في من يمسك بزمامها. فإن أحسن الشاب توجيه عقله ووقته تتحول هذه القنوات الرقمية من فخ يستهلكه إلى منصة انطلاق ترفعه. إنها تفتح آفاقاً واسعة لم تكن متاحة للأجيال السابقة مجالات الابتكار والإبداع والتعلم الذاتي والتسوق الإلكتروني وإطلاق وإدارة المشروعات الصغيرة من غرفة نومه. الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية يمكن أن تكون مساعداً ذكياً للشاب المبدع، لا بديلاً عن عقله. الشاب الذي ينظم وقته، ويختار جليسه الصالح، ويحافظ على عودته الآمنة لمنزله هو من سيحول هذه الشاشات من أدوات لهو إلى مناجم ثمينة للفرص ومنصات لبناء ذاته ومجتمعه.
وأنا أتحدث كنت أضغط على أزرار جهاز التحكم عن بعد بحكمة زر الاحترام الذي يدفع للمتابعة وزر النقاش الهادئ الذي يجبر المستمع على رفع مستوى انتباهه وزر الحوار الموضوعي الذي يشغل التفكير بدلاً من التلقين وزر تغيير القناة الذي يوجه البوصلة بسلاسة. فالشاب لا يحتاج إلى محاضرات بل إلى من يذكره بأنه كنز ومن يعرف قيمة عقله ووقته.
وفي الختام حدث ما يذيب القلوب إذ جاءوا إلي يقبلون رأسي وتلمست في أيديهم الدافئة وعيونهم البراقة شوقاً لمثل هذه اللقاءات وشكراً على ما وصفوه بالعرض المبارك. تلك القبلات لم تكن تكريماً لشخصي بل كانت تعبيراً عن فطرة لا تزال حية في أعماقهم. هم يبحثون عن القدوة عن الصوت العاقل الذي ينقذهم من ضجيج الشاشات وعن الحضن الدافئ الذي يحميهم من برودة العالم الافتراضي.
لقد أدركت يومها أن الرسالة ليست إبعاد الشباب عن التقنية بل تعليمهم كيف يمسكون بزمام عقولهم وأوقاتهم وجلستهم في هذا العالم الرقمي المعقد. وأن التحكم الحقيقي لا يأتي من قوة الصوت أو علو المكانة بل يأتي من تلك اللمسة الإنسانية والنظرة التي تقول للشاب: أنا أرى فيك كنزاً وأنا هنا لأساعدك على اكتشافه لا لأفرض عليك رأيي. وهذا بالضبط ما جعلهم يقبلون رأسي لأنهم شعروا أنني لم أُحاول برمجتهم كآلات بل عاملتهم كبشر وبكل إنسانية لأنهم يمتلكون العقول والقلوب. احترمهم يحترموك وأصغ إليهم يصغوا إليك.
وأتوقع أن هذا هو سر النجاح في توجيه الشباب في عصرنا الحالي الذي يتمثل في امتلاك بوصلة القلوب لا مجرد جهاز تحكم عن بعد. أن تستخدم الحوار الموضوعي والنقاش الهادئ وتحترم الجمهور الذي أمامك فسيكون ذلك مفتاحاً قوياً لإملاء ما تقول وستتمكن من تحريكهم بجهاز التحكم عن بعد ليس تحكماً وسيطرة بل توجيهاً وإرشاداً بحيث يتفاعلون معك بطواعية وكأنهم جزء من ذات الفكرة لا مجرد متلقين لها.
0
