كتاب الرأي

حين ترحل الكفاءة ويبقى العبث

قد تخسر منشأتك موظفًا استثنائيًا، لا لأن منافسًا استقطبه، ولا لأن راتبًا أعلى أغراه، بل لأنك تركته وحيدًا في مواجهة الظلم، ومنحت العابثين ببيئة العمل مساحةً لم تمنحها للإنصاف. والمفارقة أن من دفعتهم إلى الرحيل قد يجدون أمامهم آلاف الفرص والعروض، بينما تبقى أنت تدفع ثمن خسارتهم، وتتحمل مسؤولية أمانة لم تُحسن رعايتها.

ليس أخطر على المنشآت من موظفين لا تتجاوز قيمتهم المضافة الصفر، لكنهم يتقنون صناعة الشللية والتكتلات، ويمارسون الإقصاء، ويحوّلون بيئة العمل إلى ساحة نفوذ وخصومات. والأخطر منهم إدارة تعلم بما يحدث، وتملك صلاحية التدخل، ثم تختار الصمت، وكأن العدالة الإدارية ترف، أو كأن حماية الموظف من التجاوز ليست من واجباتها.

إن الموظف المتميز الذي لا يجد من ينصفه لن يقضي عمره في انتظار عدالة مؤجلة. سيؤدي عمله، ويحفظ مهنيته، وربما يبتسم في الاجتماعات، لكنه يكون قد بدأ بالفعل ترتيب رحيله. وحين تأتي الفرصة المناسبة، سيغادر إلى مكان يعرف قدره، دون أن يلتفت إلى منشأة لم تعرف قيمته إلا بعد فقدانه.

ولا تظن أيها المسؤول أن عدم مشاركتك في الظلم يعفيك من تبعاته؛ فحين تكون صاحب القرار، وتعلم بالتجاوز، وتملك القدرة على إيقافه، ثم لا تتخذ إجراءً، فإن صمتك لم يعد موقفًا محايدًا، بل أصبح جزءًا من المشكلة.

ومن أسوأ ما يمكن أن تفعله الإدارة أن تساوي بين الموظف المنتج ومن يعرقل إنتاجه، أو أن تطلب من المظلوم الصبر، بينما تترك لمن ظلمه حرية التمادي. فالحياد بين الحق والباطل ليس عدلًا، والتغاضي المتكرر عن التجاوزات لا يصنع بيئة عمل مستقرة، بل يمنح المسيء شعورًا بالحصانة، ويدفع الكفاءات إلى البحث عن بيئة أكثر إنصافًا.

إن المحافظة على الكفاءات لا تتحقق بالشعارات، ولا بخطابات الشكر، ولا بعبارات التقدير التي تُقال في المناسبات، وإنما بإرساء العدالة، وحماية الحقوق، ومحاسبة المتجاوزين، وإدراك أن الموظف المتميز ليس مضطرًا إلى استنزاف كرامته المهنية لإثبات ولائه للمنشأة.

والمناصب لا تمنح أصحابها حصانة من المساءلة، والصلاحيات ليست وجاهة إدارية، بل أمانات ثقيلة. وقد تنتهي علاقتك بالمنصب، وتُطوى ملفات الموظفين، وتُنسى تفاصيل الخلافات، لكن حقوق العباد لا تسقط بانتهاء التكليف، ولا تُمحى بمجرد مغادرة المكتب.

سيرحل ذلك الموظف، وقد تفتح له الحياة من أبواب الفرص ما لم تكن تتوقعه، ولن يكون رحيله نهاية خسارته، بل ربما بداية نجاحه الأكبر. أما أنت، فقد تنتهي صلاحياتك، ويغادر اسمك قائمة المسؤولين، لكن ستبقى أمانة أضعتها، وحقوق لم تنصف أصحابها، وظلم علمت به ولم توقفه. وتذكّر أن الموظف قد يجد من يعوّضه عن ظلمك، أما أنت فلن تجد من يجيب عنك حين يسألك الله عمّا استرعاك…

عزة عبدالرحمن الغامدي

مدير إدارة الاستثمار - كلية الباحة الأهلية للعلوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى