وجوه المكان… وجيرةٌ تصنع التاريخ
النص (2/2)
تمشي الذاكرة في الشرقيّة على أقدام أهلها، فتتعرّف إلى ذاتها في الوجوه، وتستقرّ في الأسماء، وتعيد صياغة المكان سيرةً حيّة لا تُكتب بالحبر، بل تُحفظ بالوفاء. يكبر الحيّ كلّما كبر أهله، وتسمو قيمه كلّما تشابكت القلوب، فتغدو البيوت شواهد مروءة، والأسماء علامات معنى، والجيرة عقدًا أخلاقيًا غير مكتوب، لكنه أشدّ رسوخًا من كل العهود.
تحضر في أعالي الحي عائلاتٌ من وادي الدواسر، يتقدّمها سلطان الدوسري؛ وقارٌ لا يعلو صوته، لكنه يسبق حضوره كل حديث. رجلٌ كان الاتزان لغته، والحكمة سمتَه، حتى صار اسمه مرادفًا للثبات وحسن العشرة. وإلى جواره أبناؤه أحمد وخالد وعبد الله، ومعهم ناصر صاحب مكتب العقار، وفهد؛ أسماء شبّت على الأدب قبل المكانة، وعلى الوفاء قبل الظهور، فغدت امتدادًا طبيعيًا لسيرةٍ هادئة تُطمئن ولا تُضجِر.
وترتفع في أعالي الحارة، حيّ بالحارث، بيوتٌ لم تمِل؛ لأن أسماءها تأسست على الانضباط والشرف. هناك محماس الحارثي، الذي أنجبت داره ابنين بلغا رتبة لواء في الحرس الوطني، في صورة ناصعة لبيتٍ علّم أبناءه معنى الانتماء قبل المنصب. ويجاوره ذعار بن محسن، وفراج، ودغيليب، وابنه محمد عميد القوات المسلحة؛ أسماء عُرفت بالالتزام والمسؤولية. وبالقرب منهم طويرش وابنه متعب اللواء في الحرس الوطني، من أوائل الضباط وزميل الأمير متعب، وصنات، وزياد، وابنا جمل، ومحمد بن سفر صاحب مستوصف سمران، الذي عُرف بخدمة الناس بصمتٍ نبيل. ويجاورهم عبد الله بن زبن البقمي، وسعيد الشهراني، وابنه الدكتور خالد، وضفيدع مؤذّن المسجد؛ ذلك الصوت الذي لم يكن نداء صلاة فحسب، بل دعوة سكينة، توقظ الفجر في القلوب قبل المآذن.
ويمتدّ شارع عكاظ كذاكرةٍ نابضة تحفظ الأسماء كما تحفظ الصدور القصائد. هناك آل سعدي، ومبارك وإخوته، واللواء سعدي، والعمداء أحمد وإبراهيم وطلال؛ بيوت عُرفت بالهيبة الهادئة. وهناك ابن شبلان القحطاني صاحب القيم، وأبناؤه يحيى وسعيد واللواء حسن، وبيت السيد المهنا وأبناؤه الدكتور عدنان المثقف والإعلامي المعروف، والبروفيسور فتوان، ومختار، وبيت زيد الغالبي وابنه صالح المخرج الإذاعي المتمكن في القيادة، وابن هشبل الشهراني رجل الأعمال وصاحب اليد البيضاء، ومحمود الأفندي وابنه العميد بالبحرية محمد الداوود، وابن عمه العميد عبد الله، والخويطر، والمضيان وابنه الدكتور أحمد، والمهيني، والغنّام، والمهيزع؛ أسماء لم تكن عناوين مناصب، بل وجوهًا مألوفة تُصافح قبل أن تُعرَّف.
وخلف الدكاكين قرب البازان — مورد الماء ونقطة الحياة — تتجاور بيوت آل عابد، وبيت سعد العلوي وولديه العميدين الطيارين أحمد وسعود، وبيت علي بن دخيل الله الزهراني؛ ذاك الاسم الذي اقترن باليد البيضاء، والخلق الرفيع، وبفعل الخير قبل ذكره، وأبناؤه العمداء محمد ومنصور وخالد، والأستاذان عمر وتركي، وبيت السيد الخضري وابنه الدكتور خالد الإعلامي المتزن، وسعيد الغامدي؛ قرب المسجد، حيث كانت الأخلاق لغة التعامل، وكان السلام أسبق من السؤال.
وتنفتح في واجهة البيّاشة بيوتٌ كقلبٍ لا يُغلق: عم علي والد العميد محمد وعبد الله، وعزوز الشهير بـ(سوبيا البيشي )، وبجواره بيت قريبه فائز اللاعب المحترف، وبيت قاسم البعداني الممرّض الخلوق صاحب القلب الرحيم، وابنيه محمد وإبراهيم، وبيت الشيخ عبد الله القبّاس إمام جامع البيّاشة، بوقاره وسمته، وابنه كاتب العدل، وبيت الشريف شرف، وبيت الشريف فارس، وبيت دبيس من البارزين في دوري الحواري، وبيت ومقهى فهد الخريجي حامل بيرق الملك عبد العزيز، وابنه الممثل عبد الرحمن، وبيوت القحاطين: محمد، وعوض، وإبراهيم، وعبد الوهاب، وبيت والد أحمد وصالح وسامي القاضي الشافي، وبيت العرينان وابنه الدكتور حمد، وبيت العيسى؛ حيث تتقاطع الوجوه، وتتشابك الحكايات، ويتشكّل وجه الحي المضيء.
وفي غرب الحي ووسطه، يحضر الوقار النجدي والقصيمي برزانته المعهودة: السميري (سعد واللواء عبد المحسن) وأبناؤهم أحمد وكيل المحافظة، ومحمد، وفيصل، وبيت عبد الرحمن وعلي الباز وأبناؤهم محمد وناصر، وسعد الشقيحي وابنه عبد الرحمن المعلّم التربوي، وبيت الشيخ زامل الزامل الذي التصق اسمه بحسن السيرة، وامتد أثر الأسرة علميًا عبر ابنه الدكتور عبد الرحمن، وسعيد عرب، وبيت الخراشي وابنه خالد، وعبد اللطيف آل الشيخ، وعبد العزيز العمران وأبناؤه سعود المصوّر التلفزيوني، ومحمد في الخطوط، وهشام في الادعاء العام، والشويمـان، والرميزان، والصيخان، والعرفج، وبيوت الخثلان الحنيوي وفي مقدّمتهم اللواء يوسف، وبيت الدخيل، وبيت الغشيان وابنه اللواء عبد الله من الحرس الخاص للملك عبد الله (رحمه الله)، وبيت الزايدي وأبناؤه إبراهيم وخالد ويوسف، والسويلم، والناصر، وبيت العودة، وسويلم العتيبي، ومحمد الشقحي الأديب والقاص وسكرتير النادي الأدبي، والطاسان، والسنيدي، والنشمي، والخليفي، وبيت محمد وعبد الرحمن العياف؛ أصحاب دين وورع وتجارة، أسماء إذا ذُكرت ذُكر معها الاتزان.
وتكتمل اللوحة ببيوتٍ أخرى: بيت مرزوق التركي الفريق في الحرس الملكي وأبناؤه صالح وتركي وعبد الله وخالد، وبيت عمر المقذلي صاحب المخبز، الذي كان حاضرًا على كل سفرة للّذة، وبيت مرزوق المقذلي الرجل الخلوق المبتسم وأبناؤه نايف لاعب الشباب والمنتخب، وطلال الملحق بمصر، وفهد، وجميل الطايفي، وعلي الحمياني ودكانه للأدوات الكهربائية والسباكة، والمسيحل وتحت داره مكتبه العقاري، وبريكان الفرج، والضويحي ومطبخه الشهير، والشويعر الجرئ المفوه والباهلي، والعمري، والغذامي، ويحيى العسيري، والقحطاني، وعبد الله الطلحي، وعبد المحسن أبو زيد، وبيت اللحياني، وبيت العقيد جابر القرني وظافر القرني وابنه الدكتور علي (رحمه الله)، وبيت العصيمي الرجل الوقور أبو مناور.
ومن هذا الحي خرج الفنّ بوصفه وجدانًا: صوت الأرض طلال مداح، والفنان عبد الله محمد، والفنان عبد الله المرشدي، والفنان الدكتور عبد الله رشاد من جبل البازان، والفنان عزوز الأعرج.
ويقف في قلب المشهد أبو عصية الحمياني، عمدة الحي؛ رجلٌ جمع بين الحزم والرحمة، وسعة الصدر، فكان حضوره طمأنينة، وحكمته ميزانًا، حتى صار اسمه عنوان ثقة، ومأوى اجتماع.
ولم يعرف أهل الشرقيّة الغربة؛ فالأفراح كانت تُقام ظهرًا، في وضح النهار، إعلانًا للفرح بلا مواربة، وتُغلق الشوارع مشاركةً لا تضييقًا، وتُنصب الخيام، ويأتي الجيران استجابةً لنداء القلب قبل الدعوة. وبعد العصر، تتجاور الأرواح قرب الجدران، تُصبّ القهوة، وتُروى الحكايات، ونحن — صغارًا — نندسّ بين الركب، نلتقط الحكمة، ونحفظ الضحكة، كأننا نتعلّم الحياة على مهل.
اللهم إن كانت الشرقيّة قد منحتنا الوجوه والذكريات، فامنح أهلها دوام الستر، وسكينة القلب، وبركة العمر.
اللهم احفظ من بقي منهم بيننا، وارحم من مضى إليك، واجعل أسماءهم نورًا في صحائفهم، كما جعلتهم نورًا في أيامنا.
اللهم كما جمعتنا بهم جيرةً ومحبة، فاجمعنا بهم رضوانًا وطمأنينة، ولا تجعل للحنين في قلوبنا وجعًا، بل اجعله صلاة شكر.
فإن ضاقت بنا الدنيا يومًا، عدنا إلى الشرقيّة؛
إلى اسمٍ يبتسم في الذاكرة،
وإلى دعاءٍ يسبق الدموع،
وإلى وطنٍ داخليّ
صيغ من ضوء القلوب… قبل طين البيوت.
فاصلة
تخون الذاكرةُ أحيانًا بعضَ التفصيل، ويغيب ذكرُ قاماتٍ سامقة من أهل الحي، فليجدوا لي العذر؛ إذ يستقرّ حضورهم بهدوءٍ يشبه ثبات الجبل، ويترك أثره دون صخبٍ أو ادّعاء.




