بدأ التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية عام 1369هـ، بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، بأمر من الملك المؤسس – رحمه الله –.
وبعدها تم تأسيس جامعة الملك سعود في الرياض عام 1377هـ، كأول مؤسسة للتعليم العالي بصورته الحديثة، وبدأت بكلية الآداب وبعدد 12 طالبًا، وفي عام 1390هـ تم افتتاح أول كلية للبنات في الرياض، بمجموع ثمانين طالبة.
تضم المملكة حاليًا أكثر من (30) جامعة حكومية، مع عدد متزايد من الجامعات الأهلية، حيث أشارت مصادر حديثة إلى وجود ما يقارب (15) جامعة أهلية، ليرتفع عدد الجامعات إلى أكثر من 40 جامعة، إضافةً إلى عدد من فروع الجامعات الأجنبية العريقة، وذلك بهدف التركيز على تنمية قطاع التعليم الأهلي لتوفير خيارات تعليمية متعددة.
ليست الأعداد وحدها شاهدًا على القفزات الكبيرة في قطاع التعليم العالي في المملكة، بل إن اتساع المجالات والميادين شاهدٌ آخر؛ فالطالب السعودي والطالبة السعودية حاضران في معظم التخصصات العلمية والنظرية، بارعين في أدقها وأصعبها.
إن المتتبع لرحلة الجامعات السعودية منذ نشأتها يجد أنها بدأت في بيئة حديثة عهدٍ بالتعليم النظامي، تفتقر مدنها وبواديها إلى محاضن العلم وينابيع الثقافة، وكان دور الجامعات في تلك المرحلة يقتضي تلقين أنواع المعارف والعلوم حتى تنتشل الوطن من بيئة الجهل إلى بيئة العلم.
وحين أصبح العلم نهرًا جاريًا في كل مدينة وقرية، خطت الجامعات خطوتها الثانية، فطورت مناهجها وبرامجها لتصبح مصانع لشباب الوطن وشاباته، كرّست فيهم معنى الواجب الوطني، ومنحتهم المهارات والقدرات، وكونت شخصياتهم على أكمل وجه.
وحين امتلأ الوطن بهذه الكفاءات الشابة القادرة على العطاء، خطت خطوةً نحو تذليل الصعاب أمام هذه الطاقات الوطنية، لتمكّن لها في أرض الوطن، وتتيح لها فرصة البناء الحقيقي؛ بناء الذات وبناء المجتمع السعودي معًا.
والآن لم يعد دور الجامعات مقتصرًا على التلقين – وإن كان التلقين جزءًا من التعليم لا غنى عنه – ولا على التكوين والتمكين، وإن كانت ما تزال تُكوِّن وتُمكِّن أجيال المستقبل، لكنها أضافت إلى ذلك مسارًا جديدًا، وهو تخريج جيل من رواد الأعمال والمبدعين والمبتكرين، وبذلك أضافت إلى أدوارها دورًا جديدًا، وإلى أعبائها عبئًا تعلم مسبقًا أنه ثقيل، لكنه واجب المرحلة وفريضة الوقت.
يؤمن هذا المسار بضرورة التعويل على ما يسمى بـ «اقتصاد المعرفة»؛ المعرفة التي صنعت بلدانًا كثيرة لا تمتلك تحت أرضها ثروات، كاليابان وكوريا وسنغافورة، المعرفة التي تشكّل عوائدها أضعاف عوائد النفط والثروات المعدنية مجتمعة، المعرفة التي يمكن أن تُباع مرارًا، فيما لا تُباع ثروات الأرض إلا مرة واحدة.
لقد دشنت بلادنا الحبيبة رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – يحفظه الله – والتي في جوهرها الانتقال من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المعرفة، أو بمعنى آخر استثمار كنوز العقل بدلًا من استثمار كنوز الأرض، لتحل بذلك الاختراعات والابتكارات والاكتشافات محل الاستخراج والتكرير.
كلنا أمل – بإذن الله – أن يقودنا هذا المسار، اقتصاد المعرفة، إلى مرحلة جديدة أكثر خيرًا وبركةً وعطاءً وألقًا وحضارةً.


