في منطقة تعصف بها التقلبات السياسية والصراعات المستمرة، برهنت المملكة العربية السعودية على قدرتها الفائقة في إدارة الأزمات بحكمة تجمع بين التعقل، الحزم، والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. السياسة السعودية لم تُبنَ على ردود الأفعال العابرة، ولا على شعارات مؤقتة ، بل على قراءة دقيقة للواقع الإقليمي وفهم عميق لمتطلبات الاستقرار، داخليًا وخارجيًا، مع إدراك أن القوة الفعلية لا تكمن في الدعاية الإعلامية، بل في النتائج العملية والتأثير المستدام.
أحد أبرز الأمثلة على فعالية هذا النهج يظهر في تعامل المملكة مع الأزمة اليمنية، حيث تجلّت السياسة السعودية بأكثر صورها وضوحًا. منذ بداية النزاع، اعتمدت المملكة سياسة متوازنة تجمع بين الحزم والوضوح في الرؤية، والقدرة على التكيف مع مستجدات الأحداث دون الانجرار وراء التصعيد العاطفي أو الضغوط المؤقتة. فالأمن الوطني للمملكة وحدوده لم يكن هدفًا بحتًا، بل كان جزءًا من رؤية أوسع لتحقيق استقرار المنطقة، مع التركيز على حماية المدنيين والسكان المتضررين. هذا النهج لم يقتصر على الإجراءات العسكرية المدروسة، بل شمل دبلوماسية نشطة وجهود تهدئة متعددة المستويات، بما يحد من انتشار الصراع ويخلق فرصًا للحلول السياسية.
وقد شدد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على هذا النهج في أكثر من مناسبة، مؤكدًا أن “الاستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة، ومن دون وضوح الرؤية لا يمكن تحقيق الأمن والتنمية”، مضيفًا أن المملكة “تعمل بحزم بعيدًا عن المزايدات، لتكون سندًا لكل من يحتاج الدعم، ودرعًا يحمي مصالح المنطقة”. هذه المقولة تلخص بوضوح فلسفة السياسة السعودية، التي ترتكز على التخطيط الدقيق، واتخاذ القرارات بحزم، دون الانجرار وراء الضغوط العابرة أو الأجندات السياسية القصيرة المدى ، مع إدراك أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالقدرة على التحرك الاستراتيجي المتوازن بين القوة والدبلوماسية والحلول العملية.
إلى جانب البعد الأمني والسياسي، أولت المملكة أهمية قصوى للبعد الإنساني والتنموي في اليمن، فقدمت الدعم الغذائي والطبي للمحتاجين، وأسهمت في إعادة بناء البنية التحتية المتضررة، ودعمت مؤسسات الدولة المحلية للحفاظ على وظائفها الحيوية.
هذا التركيز على الاستقرار الإنساني يعكس إدراك القيادة السعودية أن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب تمكين المجتمعات المحلية وإعطاء الناس شعورًا بالأمان والكرامة، بعيدًا عن الدعاية أو الشعارات الرنانة.
إن حزم المملكة يظهر أيضًا في طريقة إدارة الملفات الدولية المتعلقة باليمن وبقية التحديات الإقليمية، حيث تتعامل مع الحملات الإعلامية والسياسية بعقلانية، متمسكة بالحقائق والنتائج الواقعية. فالتركيز على الإنجازات الميدانية والنتائج العملية يجعلها قوة مؤثرة وموثوقة، قادرة على تحديد مجريات الأحداث بدل أن تكون رهينة لها. هذا النهج الاستراتيجي يميز السعودية عن كثير من القوى الإقليمية الأخرى، التي غالبًا ما تكتفي بالردود الانفعالية أو الشعارات السياسية دون تقديم حلول عملية ومستدامة.
السياسة السعودية في اليمن لم تكن مجرد إدارة أزمة طارئة، بل جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز استقرار المنطقة بأكملها. فهي تعمل على دعم الجوار، وتعزيز الأمن الجماعي، والمساهمة في مشاريع إعادة بناء الدولة وتنميتها، بما يخلق بيئة إقليمية أكثر توازنًا وأمانًا. القدرة على الجمع بين النفوذ السياسي، الحزم العسكري عند الحاجة، والدبلوماسية الفاعلة جعلت المملكة نموذجًا يحتذى به في التعاطي مع الأزمات المعقدة والمتشابكة، سواء في اليمن أو في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
الأبعاد الاستراتيجية للسياسة السعودية تتجاوز اليمن لتشمل تعاطيًا محسوبًا مع التحديات الإقليمية الكبرى، مثل الأزمات في العراق وسوريا، حيث حرصت المملكة على تقديم الدعم الإنساني والسياسي والتنموي، مع العمل على تقليل التأثيرات السلبية للنزاعات على المنطقة ككل. وفي كل خطوة، يظهر الوضوح السعودي في الرؤية، حيث يتم تحديد الأولويات بدقة، والحدود واضحة، والقرار يأتي بعد دراسة شاملة لكل السيناريوهات المحتملة، ما يجعلها شريكًا موثوقًا للجهات الإقليمية والدولية، ويجعل قراراتها قابلة للتنفيذ وذات أثر ملموس.
الأهم أن النهج السعودي يوازن بين القوة والإنسانية، بين المصالح الأمنية والسياسية والبعد الإنساني، وهو ما جعل المملكة لاعبًا فاعلًا في استقرار المنطقة، وليس مجرد متفرج أو رد فعل للأحداث.
إن هذا النهج يعكس فهمًا عميقًا للعلاقات الدولية، ووعيًا بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الانفعالات أو المظاهر، بل على القدرة على تقديم حلول عملية ومستدامة، وتحقيق أثر ملموس على أرض الواقع.
في النهاية، السياسة السعودية في إدارة الأزمة اليمنية وما يحيط بها تمثل نموذجًا استراتيجيًا متكاملًا يجمع بين التعقل والحزم، والوضوح في الرؤية، والقدرة على التوازن بين الأمن والسياسة والتنمية الإنسانية. من خلال هذا النهج، لم تعد المملكة مجرد طرف في الأحداث، بل أصبحت قوة فاعلة وموثوقة تسهم في بناء استقرار المنطقة وتعزيز التنمية، محققة أثرًا يتجاوز حدودها الجغرافية ويجعل منها مرجعًا يُحتذى به في التعاطي مع الأزمات المعقدة والمستجدات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن القيادة الحكيمة والقادرة على التخطيط بعيد المدى يمكنها دائمًا تحويل التحديات إلى فرص لإرساء استقرار حقيقي ومستدام.






