المقالات

وهم الرقية الجماعية

يلجأ بعض الناس الذين يعانون من متاعب جسدية أو نفسية إلى بعض المعالجين بالرقية، والذين يُطلق عليهم أحيانًا “الرقاة الشرعيين”، على الرغم من أن بعضهم لا تمت طرقهم إلى شريعة الكتاب أو السنة، بل إلى آراء فقهية لا يركن إليها صاحب عقل، مثل استحضار الجن بالقرآن الكريم واستنطاقهم على لسان المرضى، لأن إمام أحد المذاهب من السلف قال بذلك.

إن استمرار بعض الرقاة في بيع هذا الوهم سببه عدم معارضة الجهات المعنية، وتزكية من يتبعون هذا التوجه من بعض أهل العلم، فهذه الآراء إنما بُنيت على مشاهد من المرضى لا يصدقها إلا السذج من الناس أو من أعوزهم المرض، حيث أثبت العلم والطب فساد هذه المعتقدات، كما أن القرآن لم يُنزَّل إلا لشفاء النفوس وإنزال السكينة عليها، لا لاقتيادها إلى الهياج والجنون أثناء القراءة عن طريق الإيحاء بصياح الراقي في وجه المريض المضطرب نفسيًا.

وأسوأ ما في المسألة هو انتشار الرقية الجماعية من قبل بعض الرقاة لجمع من المرضى، بحيث يصطفون جوار بعض، ويسير الراقي المعالج بينهم يمنة ويسرة وينفث في وجوههم، فتسمع صياحًا من هنا ومن هناك، مما يثير الرعب في قلوب المتواجدين، وخصوصًا الأطفال، وهناك حالات كثيرة أصبحت تعاني من علل نفسية نتيجة ارتيادها مجالس الرقية الجماعية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرقية الجماعية أمر مبتدع لم يثبت أنه كان موجودًا لا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، بل الذي كان عليه الناس أن كل حالة يتم التعامل مع صاحبها منفردًا كما ورد في السنة. ومما يزيد الطين بلّة هو لجوء بعض الرقاة إلى تشخيص حالة المعتل نفسيًا: فهذا مسحور، وهذا ممسوس، وهذا معيون، بناءً على أعراض تشترك فيها كثير من الأمراض، أو بناءً على حديث الجني المزعوم.

فهل سيأتي اليوم الذي تلتفت فيه الجهات المعنية إلى حماية الناس من استغلال مجالس الرقية الجماعية من قبل البعض، والمتاجرة بآلام الناس لجمع الأموال، وذلك عن طريق تقنين سبل الاستفادة منها بإنشاء مكاتب خاصة للرقاة في المستشفيات تقدم الخدمة عن طريق المواعيد الفردية، حيث تُفرض رسوم محدودة تُدفع في الاستقبال دون الحاجة إلى دفع المريض أسعارًا باهظة للعسل والزيت والماء المعالج بالنفث، هذا بالإضافة إلى تعاون الرقاة مع أخصائيي الطب النفسي في المستشفى واستشارتهم والتنسيق معهم في ذلك.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

تعليق واحد

  1. حقيقة اختلف مع الكاتب القدير في طرحه فهذه فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى مدعمة بالأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية فمن وجهة نظري الشخصية أن من المفترض الالتزام بما جاء في هذه الفتوى الشرعية فقد أتت من عالم له مكانته العلمية، حيث يقول سماحته رحمه الله تعالى في هذا الشأن:”الرقية تكون بالقرآن وبالدعوات الطيبة هذه الرقية، مع رجاء أن الله يتقبل وينفع بها فينفث عليها بريقه ويقرأ الفاتحة أو بعض الآيات أو آية الكرسي أو قل هو الله أحد والمعوذتين القرآن كله شفاء، (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ).[فصلت:44].
    فالرقية تكون بالقرآن وبالدعوات الطيبة على محل الألم، ينفث على محل الألم في صدره أو رأسه أو يده أو رجله ويقرأ الفاتحة وما تيسر معها من القرآن ويدعو: (رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقما)، ويقول: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك باسم الله أرقيك)، هذه الرقية الشرعية، مع رجاء أن الله ينفع بذلك، وسؤاله أن يتقبل وأن ينفع وأن يشفي المريض، يكون عنده إيمان بأن الله هو الشافي وأن هذه أسباب، فهو يسأل الله أن يشفي المريض ويقرأ عليه، ويرجو من الله أن ينفع برقيته. يجوز أن يرقي أشخاص اثنين ثلاثة قدامه ينفث على هذا وهذا ويقرأ لا بأس إذا استطاع ذلك يكون اثنين أو ثلاثة قدامه ينفث عليهم على صدورهم أو في أيديهم أو على رءوسهم على حسب المرض لا بأس ما هو بشرط واحد، لو كان اثنين قدامه أو ثلاثة نفث على هذا وهذا لا حرج فيه، لا نعلم في هذا حرج. نعم”انتهى.

    هذا والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى