في إحدى الحوارات الإدارية التي دارت حول مستوى استيعاب الموظفين للتحول الصحي، طُرحت نسبة قيل إنها تقارب الستين في المئة ممن لديهم معرفة بالتحول. كان الرقم يبدو مطمئنًا للوهلة الأولى، لكنه أثار سؤالًا أعمق من الرقم نفسه: هل المقصود معرفة أم فهم أم وعي؟ فالمعرفة تعني الاطلاع على المفاهيم والمصطلحات، والفهم يعني استيعاب الفكرة العامة، أما الوعي فيعني أن يرى الإنسان نفسه داخل هذا التحول، وأن يدرك موقعه ودوره وما الذي يُنتظر منه فعلًا. ومن هنا تسلل سؤال أكثر عمقًا: هل المرحلة القادمة ستُدار بالعارفين أم بالفاهمين أم بالواعين، أم أن نجاحها يتطلب أن يلتقي الجميع عند مستوى من النضج المهني يجعل المعرفة طريقًا للفهم، والفهم بوابة للوعي؟ وخلال الفترة الماضية امتلأت المنشآت بورش العمل والدورات التعريفية، شُرحت النماذج، وتكررت الرسائل، وتحدث الجميع عن التحول، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء: هل حضرنا لنعرف فقط، أم لنستوعب؟ وهل قُدمت هذه الرسائل بعقلية تنقل المعلومة، أم بعقلية تبني وعيًا؟ فالتحولات الكبرى لا تُقاس بعدد ما يُعرض فيها من شرائح، ولا بعدد من حضروا، بل بقدرتها على أن تغيير طريقة التفكير، وأن تدفع الإنسان ليعيد قراءة نفسه داخل المرحلة. وفي خضم ما يعيشه القطاع الصحي من إعادة تشكيل عميقة، انشغل كثيرون بتفاصيل العقود والبدلات والأنظمة الجديدة، وانشغلت النقاشات بالأرقام والهيكلة والمؤشرات، ومع أهمية كل ذلك، يبقى هناك هاجس صامت يسكن داخل كثير من الممارسين الصحيين، لا يُقال بصوت عالٍ، ولا يظهر في الاستبيانات، يتعلق بالسؤال الأعمق: ما معنى أن أكون ممارسًا صحيًا اليوم، بعد هذا التحول؟ لقد تغيرت الصورة؛ لم يعد التركيز على أداء المهمة وحدها، بل امتد إلى جودة الأثر، والكفاءة في استخدام الموارد، والفاعلية الحقيقية لما يُقدَّم. هذا التحول خلق شعورًا مزدوجًا؛ حماس لدى فئة رأت فيه مساحة للتميز، وقلق لدى فئة أخرى شعرت بثقل المرحلة ومتطلباتها المتزايدة، وبدأ فرق قديم يظهر بوضوح بين من ينظر إلى نفسه كموظف يؤدي واجبات، ومن يرى نفسه مهنيًا مسؤولاً عن أثر عمله في حياة الناس. إلا أن هذا الوعي المنشود يصطدم أحياناً بواقع تشغيلي معقد، حيث يجد الممارس نفسه بين فكي ضغط الحالات اليومية وبين متطلبات الأنظمة التقنية الجديدة، وهنا قد يبدو الوعي ترفاً فكرياً أمام صخب الميدان، ما لم تتدخل المنظومة بذكاء لتبسيط الإجراءات وجعل “المعنى” متاحاً وسط زحام الأرقام. إن بعض الممارسين يتساءلون في داخلهم: هل تحولت مهنتي تدريجيًا إلى سلسلة مهام تُنجز وفق المعايير، أم ما زال فيها ذلك المعنى الإنساني الذي جعلني أختار هذا الطريق؟ هذه الأسئلة لا تعني ضعفًا، بل تعكس حاجة عميقة للشعور بأن العمل يحمل قيمة تتجاوز الراتب والدوام، فالممارس الصحي بطبيعته قريب من الألم الإنساني، وهذا القرب يصنع علاقة خاصة تقوم على الإتقان والمسؤولية تجاه كل تفصيل صغير. وعندما تضيق مساحة التأمل في هذا الأثر، ويصبح التركيز منصبًا على إنجاز المهمة تقنياً، قد يتراجع ذلك الشعور الداخلي دون أن ينتبه له أحد، وهنا تظهر أهمية الوعي الحقيقي الذي يجب أن ترعاه المنظمة قبل الفرد؛ فلا يُطلب الوعي من ممارس يستنزفه الضجيج البيروقراطي، بل يجب أن يكون الوعي “عقداً متبادلاً”، تلتزم فيه المنظومة بتوفير بيئة عمل رشيقة وعدالة في التقييم، ويقابله الممارس بحضور ذهني وعطاء مهني يرى أبعد من مهامه اليومية. إن التحول الصحي لم يأتِ ليغير مسميات الإدارات فقط، وإنما جاء ليعيد تشكيل دور الممارس نفسه، ليكون شريكاً في تحقيق الأهداف لا مجرد متلقٍ للأوامر، وهذا يتطلب خارطة طريق عملية تبدأ بأنسنة الرسائل التحولية، وجعل الأنظمة التقنية وسيلة لتعزيز الجودة لا عائقاً أمامها. المرحلة القادمة تحتاج إنسانًا يرى الإتقان قيمة، ويعمل بكفاءة لا كضغط، ويبحث عن الفاعلية كأثر حقيقي في حياة مريض، وفي المقابل، يحق للممارس أن يجد في الصورة الجديدة مكاناً لخبراته، وبيئة تدعمه على التعلم والنمو.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن المسؤول في هذه المرحلة لا يقيس الوعي كمفهومٍ نظري، بل يترقب نتائجه على أرض الواقع. ما يبحث عنه اليوم هو انعكاس الفهم في جودة الأداء، وأثر المعرفة في تقليل الأخطاء، وتجليات الوعي في الإتقان والانضباط وتحسين الخدمة. فالمرحلة الراهنة تضغط باتجاه النتائج، بينما يظل بناء الوعي عملية أعمق تتشكل بهدوء داخل الميدان، وتحتاج وقتًا حتى تُترجم إلى أثرٍ ملموس
إن نجاح أي تحول لا يتحقق ببناء الهياكل وكثرة الاجتماعات، بل بمدى قدرة الممارس على أن يرى نفسه داخل هذه المنظومة المتكاملة، وأن تدرك القيادات أن الحفاظ على روح الإتقان وسط صخب الأرقام هو الاستثمار الأهم. ففي نهاية المطاف، كل نظام صحي، مهما تطور، يظل قائمًا على أكتاف أشخاص يدركون بوعيٍ أن ما يقدمونه ليس مجرد عمل، بل مسؤولية وأثر يتشكل مع كل خطوة نحو مستقبل أكثر جودة ونضجاً وإنسانية.






