المقالات

من نزع الأهداف السامية لمنافسات كرة القدم

تُعدّ لعبة كرة القدم أكثر المنافسات الرياضية شعبية في العالم، ويُذكر أن جذورها بالشكل الحالي نشأت في إنجلترا، حيث بدأت تظهر في المدارس منذ عام 1710م. وفي عام 1862م بدأ وضع قوانين لكرة القدم، ولا تزال هذه القوانين تتغير من فترة إلى أخرى وفقًا لمستجدات العصر، ويشرف على تطبيقها قاضٍ يُسمّى (الحكم). وقد أصبح يحضر منافسات كرة القدم جمعٌ غفير من الناس يُقدَّر بعشرات الآلاف.

وفي عام 1929م بدأ تنظيم مباريات كأس العالم لكرة القدم، وتقرر إقامتها كل أربع سنوات، وانطلقت منافساتها الأولى في الأوروغواي عام 1930م بمباراة بين فرنسا والمكسيك. وأصبح لهذه الرياضة لاحقًا اتحاد دولي يُسمّى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ودوره تنظيم المنافسات الدولية، ومراقبة المنافسات المحلية، وضمان سلامتها من التجاوزات المتعلقة بقوانين اللعبة وآدابها.

وكان الهدف من إنشاء هذه الرياضة المحافظة على صحة أبدان الشباب، وشغل أوقاتهم بما يعود عليهم بالنفع من اكتساب مهارات بدنية مختلفة. وللمحافظة على استمرارية هذا الهدف أُكسِبت اللعبة مزيدًا من الإثارة والتشويق، من خلال ترسيخ مبدأ المنافسة والفوز والهزيمة، فصُوِّرت وكأنها معركة افتراضية بين فريقين، كل فريق مكوَّن من 11 لاعبًا يمثلون مدنًا أو كيانات، لا قاتل فيها ولا مقتول، وإنما فائز ينال الجوائز ومهزوم يخرج من المنافسة. كما أنه لا أسلحة فيها ولا عتادًا حربيًا، وإنما قوة بدنية ومهارات حركية للاعبين، والسلاح الوحيد فيها كرة مطاطية مملوءة بالهواء يستخدمها الفريقان.

وأصبحت هذه اللعبة تعني الشيء الكثير لدى عشاقها، وتمنحهم شعورًا بالأفضلية إذا فاز فريقهم، بينما تكون الهزيمة معنوية للفريق المهزوم ومشجعيه. ويُحدَّد الفوز أو الهزيمة وفقًا لعدد المرات التي تدخل فيها الكرة مرمى كل فريق، وقد يتساوى الفريقان فتكون النتيجة تعادلًا، لا غالب ولا مغلوب.

ولما كان الهدف من هذه الرياضة ساميًا، ولعل أهمه ترسيخ مبدأ تقبّل الهزيمة كما يُفرح بالفوز، فإن هذه الرياضة قد يعتريها أحيانًا ما يعكّر صفوها في بعض دول العالم ويفقدها متعتها، ومن ذلك:
1. ما يحدث في بعض الاتحادات الرياضية من تدخل أصحاب النفوذ بما يعود بالنفع على أندية يميلون إليها.
2. عدم البحث في ما يحدث داخل إدارات بعض الأندية من فساد، وعدم التدخل المباشر من الجهات المسؤولة عند تدهور مستوى الفريق لمحاولة إصلاح وضعه.
3. التحزّب والشللية بين أعضاء إدارات الأندية، وما ينشأ عنها من مشاحنات تؤثر في أداء الفريق ونتائجه.
4. تفاوت الإمكانات المادية بين الأندية، وعدم مراعاة مبدأ العدالة في الدعم، خصوصًا في عقود اللاعبين والمدربين العالميين.
5. الاستثمار في أندية معينة دون غيرها بحجة قلة جماهيرية الأندية الأخرى، رغم وجود بعضها في مدن كبيرة.
6. اقتصار دعم بعض الأثرياء من محبي كرة القدم على أندية مناطقهم فقط، مع أن الأندية الأخرى جزء من وطنهم أيضًا.
7. وجود سماسرة في الخفاء يتلاعبون بانتقالات اللاعبين وتوجيههم إلى أندية محددة.
8. تغيير نظام المنافسات أحيانًا بما قد يخدم مصلحة فريق دون آخر.
9. ترتيب جداول المباريات بطريقة قد تُفسَّر على أنها تخدم مصلحة فريق معيّن.
10. تأثر قرارات بعض اللجان الرياضية بالأهواء الشخصية أو بضغوط أصحاب النفوذ.
11. وجود أخطاء تحكيمية متكررة في بعض المباريات تُثير الشكوك حول نزاهة التحكيم.
12. غموض بعض الحوارات التي تتم بين حكم الساحة وحكام تقنية الفيديو (VAR) وعدم شفافيتها.
13. التعصب الأعمى للأندية، وقد يصل أحيانًا إلى نزعات عنصرية.
14. تعرّض بعض اللاعبين والمشجعين والمسؤولين للعنصرية، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
15. حدوث أعمال شغب أحيانًا في الملاعب بين الجماهير أو اللاعبين، وقد تمتد الخلافات حتى داخل الأسر.
16. تعمّد الإيذاء الجسدي من بعض اللاعبين لغيرهم أثناء المباريات.

وللأسف، فإن هذا جزء من السلبيات التي تحدث في كثير من دول العالم، وقد امتلأ التاريخ بأحداث أفقدت هذه المنافسات بعض أهدافها السامية ومتعتها، كما عرضت اللاعبين والمدربين والقائمين على النشاط الرياضي لضغوط نفسية قد تؤثر في الصحة العامة على المدى الطويل.

فهل من الحكمة الابتعاد عن الساحة الكروية ومتاعبها خوفًا من تأثير ذلك في صحتنا؟
قد يقول ناصح أمين: ما يعنينا هو الاستمتاع بمشاهدة مباريات ممتعة ذات قيمة فنية عالية، بغضّ النظر عن بعض السلبيات، على أن يعمل القائمون على اللعبة على معالجتها، حتى تبقى كرة القدم مصدرًا للمتعة والإنجاز والروح الرياضية التي أُنشئت من أجلها.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى