أغنية مصرية جميلة من ماضٍ ولا أجمل، حينما كان النيل يروي العطشان، والذي لم يعطش أبداً بحكم أن الميه عندهم «بالهكي». والذي لا يشرب (يستحما)، وماله فالأنهار في العالم كثر؛ فهناك النيل، ودجلة، والفرات الذي تقريباً مات، والأمازون، والمسيسيبي، وشلالات نياجرا.
طبعاً كل تلك الأنهار، سكان بلادها ما عندهم مشكلة، في البعزقة طالما الأنهر تسيل والأمطار لا تتوقف.
و عندنا كانت أبها والطائف، يكاد المطر أن يكون بها رفيق السكان وسقيا الإنسان والمكان. فكيف في أوروبا وأفريقيا وكندا وشلالاتها؟ أما ألاسكا (فخمشة)، ثلج ولا أحلى، تروي وتبرد القلب الولهان.
وكأني بهذه الأغنية قد كُتبت لتحاكي العقود القليلة الماضية، حيث بدأ الماء ينحسر. وربما سبب انحسار النيل لأنه كان ماخذ على خاطره من الذين ليس فقط يُسرفون بل يؤذون مشاعره؛ فذلك يرمي قشرة (برتآلة)، والثاني (يأزأز لب أو ترمس)، ويرمي ويلا… النيل يستحمل.
ولكن بصراحة، كيف ما كان فالنيل سلسبيل، ويجري في السودان ومصر لمن يشاء سبيل. وإن كان كاتب الأغنية شَكَى من قلّ عطائه، فإنها تورية عن عطش آخر يروي القلب قبل الريق. ومن ثم أبان ذلك عندما قال.فؤاد نجم:
عطشان يا صبايا
وأنا عاشق ع السبيل
وأنا كنت امبارح خالي
واليوم دا صبحت عليل
عطشان ودوايا حبيبي
يسقيني العشق دليل
بينما قال صلاح جاهين:
عطشانا يا صبايا دلوني على السبيل
رحت لحكيم يداوى… نار القلب العليل
فتح الكتاب وقال لي… عندك عقدة خليل
اللي قال الكلام ده… أستاذ عالم جليل
اسمه فرويد ولازم… نعمل لك تحاليل
يا بهيه وخبريني… ع اللي قتل القتيل
قتلوه السود عيونك… ولا الهم التقيل.
النيل إن لم يروِ ظمأ الجميع فرضاً، فقد روى مخيلة شعراء مصر والسودان، وكان ملهماً لهم فأبدعوا شعراً فصيحاً وزجلاً ظريفاً.
ما أوحى لي بكتابة هذا المقال هي الحملات الدعائية لشركات المياه في معظم دول العالمً، وبعضهم جعل أيقونة حملتهم نقطة الماء فهدرك نقطة ماء كأنك تهدر نهرا. نعم المستهلك مطلوب منه الحفاظ على الماء،لكن أيضاًله مطالب من الإدارات المسؤولة عنه في كل بلد : من سوء في التوزيع، إلى تأخر في التسجيل، وعدم وصول الفواتير في موعدها، ثم تهل عليك المخالفات.
والنقطة التي تطلب هيئات المياه ترشيدها — وهي محقة — هي التي يبحث عنها العطشان، وقد لا تكون سهلة المنال أحياناً . كما أصبح للفاتورة وحدة جديدة عند بعض الدول تم حسابها بالنقطة، وهذه أيضاً ليست النقطة التي يرشها بعض (المهايطين المجانين) على الفرق الموسيقية وشلة الأنس إياها.
صديقي فلان، صاحب الأفكار الخلاقة، يقول إن الحل — وحتى لا يُرهق المستهلك بالتفكير في آلية الترشيد ويشرب على قده وبدون إسراف — هو توزيع مصاصة لكل مستهلك ، فلا يموت الذئب ولا تفني الغنم .وكانت فكرة خطيرة استفاد منها العالم ونال عليها براءة اختراع (مصاصة في اليد ولا نهر بعيد عني .) . وبما أن الهوامير عند الشفط خذ ولد. وعلى قدر أهل العز، توزع المصاصات وبكميات أكثر، طبعاً هذا غير اللي من تحت الطاولة.فنالوا الحب كله .
فقاموا بعد ما وصلتهم المصاصات بالكوم بتوزيعها على الأهل و الأحباء طبعاً وشلة الأنس في المقدمة ، وعملوا حفلات عنوانها: شفط الماء لآخر نقطة في عمري. وهات يا شفط، ويُقال إنه تم شفط حتى الخزانات الاحتياطية. طبعاً كانت مصاصاتهم أطول وفتحتها أكبر لتسهيل الشفط، وكلٌّ له مقامه.
وبعد هذا الحفل، البقية لم تجد ما يبل ريقهم، والمصاصات فاز بها الشفاطون. فما كان منهم بعد نفاذ حيلتهم وعدم وجود ما (ينشفط)، ولا شافطات، إلا الاستعانة بحكيمهم. شرحوا له الحال، فأخذ حكيمهم برهة يفكر ويفكر، ثم قال:
يعني والله يا جماعة ما صرت أعرف هي الموية للشرب أو هي للعين. ولكن احتياطاً اشتروا قطّارات.
فرد أحد الموجودين: يا حكيم، هو فيه موية حتى نشتري قطّارات؟ نريد حلاً.
فاتكأ الحكيم ثم قال: اشربوا من البحر.
0





