المقالات

الفاشر… جرحُ السودان المفتوح ووصمةُ الضمير العالمي

▪️في تقريرٍ دوليٍّ أمميٍّ جديدٍ يسلِّطُ الضوء على واحدةٍ من أكثرِ الفصولِ ظُلمةً في الحربِ السودانيَّةِ المعاصرة، خلصت بعثةُ تقصِّي الحقائق التابعةُ للأمم المتحدة إلى أنَّ ما جرى في الفاشر يمثِّل أفعالًا تحملُ سماتِ الإبادةِ الجماعيَّة بحقِّ مجتمعاتٍ إثنيَّةٍ في دارفور، وتحديدًا جماعتي الزغاوة والفور، وذلك في أعقاب حصارٍ دام ثمانيةَ عشرَ شهرًا، وانتهى بسيطرةِ قواتِ الدعمِ السريع على المدينة في أكتوبر 2025 بعد مواجهاتٍ داميةٍ عنيفة.
▪️بناءً على التحقيقِ الأممي، فإنَّ الانتهاكات لم تقتصر على أعمالِ عنفٍ عشوائيٍّ ناتجةٍ عن فوضى الحرب، بل جرت بصورةٍ منسَّقةٍ ومنظَّمة، وتضمَّنت القتلَ الجماعيَّ، والاستهدافَ العِرقيَّ، والعنفَ الجنسيَّ الواسع، والتجويعَ المنهجيَّ للسكان خلال الحصار الذي ترك المدنيين عرضةً للهجمات من دون وصولٍ منتظمٍ للمساعدات الإنسانية. هذا النمطُ من السلوك، بحسب التقرير، يتوافق مع ثلاثةٍ من العناصر الجوهرية في تعريف الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي، القتلُ المستهدف لأعضاء مجموعةٍ محمية، وإلحاقُ أذى جسيمٍ جسديٍّ ونفسيٍّ بهم، وخلقُ ظروفٍ معيشيةٍ قاهرةٍ يُراد بها تدميرُ تلك المجموعة كليًّا أو جزئيًّا.
ما يرسم صورةً أشدَّ صدمةً هو الوصفُ التفصيليُّ للأحداث التي أعقبت سقوطَ الفاشر، أيامٌ من الرعب، وعملياتُ قتلٍ بلا تمييز، واغتصابٌ جماعيٌّ، واختطافٌ، وتحطيمٌ متعمَّدٌ للمؤسساتِ المدنية، بما في ذلك المستشفياتُ والجامعات، مع توثيقِ خطاباتٍ عنصريةٍ صريحةٍ ضدَّ غير العرب. كما سجَّلت الشهاداتُ حالاتِ اعتداءاتٍ مروِّعةٍ طالت نساءً وفتياتٍ قاصرات، في مشاهدَ تختلطُ فيها الفظاعةُ بانتهاكِ الكرامة الإنسانية في أبشع صورها.
▪️التقريرُ لا يقف عند حدودِ التوثيق، بل يشير إلى سلسلةٍ من الإخفاقاتِ الدولية في الوقاية والمساءلة؛ فقد كانت مؤشراتُ الخطر واضحةً قبل سقوط المدينة بأشهر، وارتفعت نداءاتُ منظماتٍ حقوقيةٍ بضرورة فكِّ الحصار وضمانِ حمايةِ المدنيين، غير أنَّ الاستجابة الفاعلة ظلَّت غائبة، فدُفع الثمن دمًا وخرابًا ونزوحًا.
▪️وفي السياق ذاته، صدرت عقوباتٌ من الولايات المتحدة الأميركية على عددٍ من قادة قوات الدعم السريع نتيجة أدوارهم في أعمالِ القتل والتعذيب والتجويع خلال الحصار، مع تأكيد الدعوة إلى وقفٍ إنسانيٍّ عاجلٍ وإحقاقِ العدالة للضحايا.، وإذا وُضع هذا التطوُّر ضمن سياق الحرب السودانية الممتدة منذ أبريل 2023، اتَّضح أنَّه ليس حادثةً معزولة، بل حلقةٌ في سلسلةِ انتهاكاتٍ متواصلةٍ طالت المدنيين في دارفور وغيرها من الأقاليم، وأدرجتها منظماتٌ حقوقية ضمن جرائمِ الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
▪️الأبعادُ الإنسانية لهذه الوقائع تتجلَّى في أرقامِ النزوح المليونية، وفي النقصِ الحادِّ في الغذاء والدواء، وفي هشاشةِ الأمن، حتى بات المشهدُ السودانيُّ يُوصَف بأنَّه من أقسى الأزمات الإنسانية في عالمنا المعاصر.
▪️خلاصةُ هذه المعطيات أنَّ الحرب في السودان تجاوزت إطارَ النزاعِ السياسيِّ أو الصراعِ العسكريِّ الداخلي، وتحولت إلى كارثةٍ إنسانيةٍ تختبرُ صدقَ الالتزام الدوليِّ بحماية المدنيين، وتضعُ القانونَ الدوليَّ أمام امتحانٍ عسير جدا، إمَّا أن يكون درعًا يحمي المستضعفين، أو نصًّا معلَّقًا فوق ركام المدن المنكوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى