المقالات

مستوى التدين المطلوب

من المعلوم أن شهر رمضان المبارك يُعد فرصة عظيمة لزيادة الإيمان وارتفاع مستوى التدين، وهذا ما نلحظه عند كثير من الناس، حيث يُعد ذلك أمرًا طبيعيًا نظرًا للأثر الروحي للصيام والصلاة والقرآن. لكن التساؤل الذي يدور حول ذلك: ما هو المستوى المطلوب للتدين الذي يحقق الوسطية والتوازن والتعايش مع متغيرات وأحداث الحياة؟

إن الإجابة على هذا التساؤل تستوجب العودة إلى تشكيلات التربية في جوانبها المختلفة، حيث تتضمن مجموعة من الأسس والمفاهيم التي تمكن الإنسان من التوازن والاندماج في المجتمع، ومعايشة الواقع، والانسجام مع الحياة؛ فهي مجموعة سلوكيات تلامس جوانب مختلفة لصقل الشخصية الاجتماعية المطلوبة. وقد ناقش علماء المقاصد الشرعية ومفكرو التربية ما يجب استكماله في التربية الوجدانية للفرد، حيث إن للنفس البشرية بطبيعتها أشواقها الدينية التي تتعلق بالروح، ولها أيضًا مطالبها المادية التي تتعلق بالجسد؛ ولذا فإن اختلال أحد الجانبين، أو الاهتمام بأحدهما على حساب الآخر، يكون سببًا مباشرًا للخلل والاضطراب الذي يلازم الشخصية طوال الحياة، وينعكس سلبًا على المجتمع ككل.

ويمكن القول إن التربية على التدين الوسطي تتطلب حرصًا شديدًا من المربي، ودقة في إعطاء المتربي ما يحتاجه للقيام بواجباته الدينية على أكمل وجه، من غير غلو ولا تفريط؛ حيث يحقق ذلك التوازن جملة نتائج مذهلة تتعلق بالشخصية، أهمها: الاستقرار النفسي، والتوازن السلوكي، والقدرة على التكيف مع معطيات ومستجدات الحياة. فيتحقق هنا الهدف التربوي الأساس، وهو الإعداد للحياة وتكوين الفرد الصالح للتعايش المجتمعي دون إحداث مشكلات أو تجاوزات تؤدي إلى الإخلال بالأمن والاستقرار أو إيذاء النفس والآخرين.

وفي الجانب الأسري يقع كثير من الآباء والأمهات في خطأ جسيم عندما يريدون من أبنائهم وبناتهم المثالية المطلقة والتطبيق الكامل لتعاليم الدين، وهو ما يدخل في إطار مشادّة الدين التي تقود إلى الغلو والتطرف. وقد أشار إلى ذلك رسولنا ﷺ بقوله: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة». والمعنى أنه يجب التوازن في التربية، واتخاذ المنهج الوسطي دليلًا لها ومرشدًا لمنهجها.

ومن الطبيعي أن تكون مخرجات الأسر المتنطعة سريعة الانحراف، صعبة المراس، غريبة الأطوار، لا تعترف بالمجتمع والجماعة، ولا ترى إلا ما تختزله عقولها؛ فتنبذ الآخرين وتميل إلى الانطواء والعزلة ظنًا أن ذلك هو ما يريده الله من الناس. والحقيقة أن التربية على التنطع والمثالية المطلقة منهج خاطئ وجناية على الأبناء؛ لأن الوالدين بذلك الخطأ تجاهلا أن الطبيعة البشرية قد تهفو إلى الخطأ وتجنح إلى السيئات، ولو لم يكن ذلك لما خاطب الله تعالى عباده بوجوب التوبة والإنابة وكثرة الاستغفار. فالخالق جل وعلا وصف النفس البشرية بأنها تُخطئ، وأن النفس لأمّارة بالسوء بطبيعتها؛ إذ كيف يعيش المرء حياة كاملة وهو لم يخطئ أو يذنب؟ فلو كان الأمر كذلك لكان الناس ملائكة يمشون على الأرض.

وعلى هذا الأساس فإن رمضان، كما هو فرصة للتقرب إلى الله تعالى، يُعد أيضًا فرصة لضبط مستوى التدين والتحكم بالذات لتكون في دائرة الوسطية. فلو نظرنا إلى نتائج التطرف والغلو على مستوى الفرد والمجتمع لوجدناها كارثية بكل ما تعنيه الكلمة؛ فقد شملت خسائر في الأرواح والممتلكات والعلاقات والأمن والاستقرار، والصحة الجسدية والنفسية والعقلية، علاوة على تشويه صورة الإسلام. فكم أتعب التطرف أهله، وكم جنى على الأسر والمجتمعات من مصائب وبدع ما أنزل الله بها من سلطان، وكم شوّه هذا التطرف صورة الإسلام أمام العالم المعاصر؛ تلك الصورة الزاهية التي جعلته الدين الوسطي السمح الذي يحبه الجميع ويتمنون الدخول فيه لعظمة أحكامه وسمو قيمه وآدابه، ولكونه جعل السماحة أعظم مقاصده وأكثرها تحكمًا في تعاليمه وشعائره وتشريعاته وأحكامه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى