في زمن الأزمات والحروب، لا يكون الإعلام مجرد ناقلٍ للخبر، بل شريكاً في تشكيل الوعي وصناعة المزاج العام. فالكلمة قد توازي الرصاصة أثراً، والصورة قد تعادل بياناً عسكرياً في قوتها وتأثيرها. لذلك يبرز سؤال ملحّ: هل المطلوب من الإعلام في لحظة المواجهة أن يكون محايداً إلى هذا الحد، أم أن عليه أن يكون سنداً واضحاً لدولته ومجتمعه؟ عند متابعة قنوات خليجية بارزة مثل قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحدث، يلحظ المشاهد أحياناً حالة من التوازن المفرط في الطرح، إلى درجة قد توحي بأن القناة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، حتى في لحظات يكون فيها الموقف الوطني واضحاً وحاسماً. هذا الحرص الزائد على إظهار الحياد قد يتحول دون قصد إلى حالة من البرود، أو إلى إبراز روايات الطرف الآخر بذات الزخم الذي تُعرض به الرواية الوطنية، دون مراعاة لحساسية التوقيت والسياق.
لا أحد يطالب الإعلام بأن يتحول إلى منصة دعاية، أو أن يتخلى عن المهنية لصالح الشعارات. فالمصداقية هي رأس مال أي مؤسسة إعلامية، وبدونها تفقد تأثيرها وقيمتها. غير أن ما يثير التساؤل هو ذلك “الحياد الزائد” الذي قد يصل أحياناً إلى حدّ مساواة شكلية بين المعتدي والمعتدى عليه، أو تقديم الروايتين بوصفهما متكافئتين أخلاقياً في صراع واضح المعالم. في أوقات الحرب، يبحث المواطن عن خطاب يطمئنه، يعزز ثقته بمؤسساته، ويمنحه شعوراً بأن إعلام بلاده يقف معه، لا أنه يكتفي بعرض المشهد كمتفرج محايد. وعندما يطغى الحرص على الظهور بمظهر “المهنية العالمية” على حساب الإحساس بالانتماء، قد يتسلل شعور لدى بعض المتابعين بأن القناة تميل ولو من غير تعمد إلى زوايا طرح أقرب إلى الطرف الآخر من قربها إلى خطاب دولها.
ومن زاوية أخرى، يطرح بعض المتابعين تساؤلاً مشروعاً حول أثر تركيبة غرف الأخبار في بعض القنوات الخليجية، حيث يشكّل التنوع في الخلفيات المهنية والثقافية جزءاً من بنيتها التحريرية. فمع وجود كوادر من جنسيات متعددة في مؤسسات مثل قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحدث، قد تتباين زوايا المعالجة أحياناً تبعاً لاختلاف السياقات الثقافية وحساسية إدراك الأولويات الوطنية. غير أن المسألة لا تختزل في جنسية المعد أو المذيع، فالمؤسسات الإعلامية الكبرى حول العالم مثل: BBC أو CNNتضم بدورها طيفاً واسعاً من الجنسيات، لكنها تحافظ على إطار وطني واضح في القضايا السيادية. الفارق الحقيقي يكمن في وضوح الخط التحريري وتمكين الكفاءات الوطنية في مواقع صناعة القرار، بحيث يُدار التنوع المهني بوصفه عنصر إثراء لا عامل إرباك. وعند النظر إلى تجارب إعلامية دولية، نجد أن كثيراً من القنوات العالمية تدير هذا التوازن بذكاء. فـ BBC، ورغم شهرتها بالحياد، تعكس بوضوح الإطار السياسي البريطاني في القضايا التي تمس أمن المملكة المتحدة، دون أن تتحول إلى منبر دعائي. وكذلك CNN التي، في لحظات الأزمات الكبرى التي تمس الولايات المتحدة، تعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية وتضع الرواية الرسمية ضمن سياق مرجعي واضح، حتى مع استضافة أصوات ناقدة. أما France 24 فتعرض وجهات نظر متعددة، لكنها لا تُخفي تموضعها ضمن الإطار السياسي الفرنسي في القضايا السيادية. هذه النماذج توضح أن المهنية لا تعني الذوبان في خطاب رمادي، بل تعني إدارة الانحياز الوطني بوعي ومسؤولية.
الدعم الإعلامي لا يعني الصراخ أو المبالغة، بل يعني الوعي باللحظة. يعني أن تُنقل الحقيقة كاملة، لكن دون أن تتحول المنصة إلى مساحة تعادل بين الخصوم في توقيتٍ يحتاج فيه الجمهور إلى وضوح. يعني أن يُعرض الرأي الآخر، ولكن دون أن يُقدَّم بوصفه رواية مكافئة أخلاقياً أو سياسياً حين تكون المعادلة مختلة. إن الإعلام الخليجي اليوم أمام اختبار وعيٍ لا يقل أهمية عن اختبار الميدان نفسه. المعادلة ليست بين المهنية والانتماء، بل بين وعي اللحظة وحساسية الدور. الإعلام ليس مطلوباً منه أن يهتف، ولا أن يتحول إلى منصة دعاية، لكنه في الوقت ذاته ليس كياناً معلقاً في فراغ رمادي بلا سياق ولا هوية. المهنية الحقيقية لا تعني مساواة شكلية بين الروايات، بل تعني قراءة عادلة للواقع بميزان أخلاقي واضح. فالحياد قيمة حين يخدم الحقيقة، لكنه يتحول إلى ارتباك حين يفقد البوصلة… وحين يشعر المشاهد أن صوته لا يجد صداه في شاشةٍ يفترض أنها تعبّر عنه.