المقالات

لا نستثار ولا نستدرج

إذا صحّت التصريحات المتكررة لقادة النظام الإيراني بعدم المسؤولية عن الاستهداف اليومي المتواصل للمدنيين والأعيان المدنية في دولٍ ليست ذات علاقة بحربٍ مشتعلة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، رغم إعلان جميع دول الجوار عدم السماح باستخدام أجوائها وأراضيها منطلقًا لأي عملٍ عسكري من قبل كافة الأطراف المتصارعة، والوفاء بوعدها بشهادة الإيرانيين أنفسهم، وإذا سلّمنا بالاعتذار المتلفز للرئيس الإيراني الذي تضمن وعدًا بوقف الاستهداف السافر، فيما لا يزال الوضع مستمرًا بخلاف ذلك الوعد دون أدنى تغيير، فإننا نصبح أمام تناقضاتٍ مركبة لم تشهدها ساحات النزاعات الحربية، تفضي إلى استحضار احتمالاتٍ عديدة قاسمها المشترك تفشي الفوضى وانفلات الأوضاع وانقطاع التواصل، إذا ما استبعدنا مراوغات النظام المعهودة؛ خاصة أن المقذوفات العشوائية المحملة بالحقد والكراهية تساقطت لتجسد مفهوم قول المتنبي: «أنا الغريق فما خوفي من البلل».

لا يمكن استيعاب جدوى إطلاق الصواريخ وتسيير المسيّرات إلى وجهةٍ غير الوجهة الطبيعية، ولا يستطيع عاقل إدراك المنفعة التي يجنيها النظام الإيراني من استعداء دول المنطقة بهذا الشكل، وفي مثل هذا التوقيت بالذات، بما أسفر عن توريط لبنان مرةً أخرى، بالتزامن مع استفزاز دول الخليج والأردن وتركيا وأذربيجان، وجميعها دول إسلامية تملك قناعةً راسخة بنبذ العنف، متسقة مع حق الإنسان في الحياة، ومنسجمة مع الرغبة في تجنيب المنطقة آثار النزوات والمغامرات وردود الأفعال غير المبررة.

بل دعمت تلك الدول، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، الحوار سبيلًا وحيدًا لحل الخلافات وتحقيق السلام، وحصدت تثمينًا لفظيًا كاد أن يصبح مفتاح الفرج لطهران قبل أن يتبخر، فيمسي مرادفًا لاعتذار الرئيس الإيراني.

لا شك أن الشعب الإيراني يستحق حياةً مستقرة مماثلة لحياة الشعوب الجارة الآمنة المطمئنة، في ظل موارد ضخمة تذهب – مع شديد الأسف – لتحقيق أحلامٍ بالية شبيهة بأحلام إبليس بالجنة. ولا خلاف على أن ذلك ممكن متى ما أدركت إيران الأهمية البالغة للحاق بركب الدول المتقدمة، من خلال تعزيز الثقة وصدق التعامل، والتخلي عن نهج تنمية الكراهية ومحاولات زرع الفتن في المنطقة، لتعود دولةً طبيعية قادرة على التعايش المجتمعي العالمي كما تفعل جميع الدول، عوضًا عن عزلةٍ متواصلة منذ خمسين عامًا كسرت ظهر الشعب الإيراني.

ولعلي أختتم بالإشارة إلى التثمين الداخلي قبل الخارجي للموقف السعودي الحكيم القائم على مواجهة الاستفزاز بالصبر، والحماقة بضبط النفس، رغم تساقط شظايا المقذوفات العشوائية، وامتلاك قوة عسكرية رادعة ضاربة لا تُستثار ولا تُستدرج، إضافة إلى سلاحٍ بحري وجوي متمكن ذي كفاءة قتالية حاسمة.

وكذلك فعلت دول المنطقة إيمانًا بأن الحرب ليست حربها، متجاهلة رغبة طرفي المعركة؛ خاصة أن الأول يسعى لتكوين تحالفٍ دولي ليخفف الضغوط ويوفر الذخائر، فيما لا تزال الحيرة عنوان التفسير لمبرر النظام الإيراني قبل تصريح الحرس الثوري: «الأمن في المنطقة إما للجميع أو لا أحد».

جازمًا بأن هوية الأطراف المتحاربة ساهمت – دون جدل – في تأجيل الحسم الخليجي، منهياً بالقول: «الصبر السعودي لا يُختبر»

محمد الجهني

إعلامي- كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى