المقالات

أرض النفاق!!

«أرض النفاق» رواية للكاتب والصحفي المصري الكبير يوسف السباعي، صدرت لأول مرة عام 1949م، وتُصنَّف ضمن الأعمال الأدبية والاجتماعية التي تعالج بعمق كثيرًا من المشكلات الاجتماعية، وإن كان فيها شيء من الخيال وربما بعض المبالغة.
تتناول الرواية أسلوب حياة المجتمع المصري والعربي في نهاية أربعينيات القرن الماضي في إطار خيالي، لكنها في الوقت ذاته تحمل قدرًا كبيرًا من الواقعية. فقد حاول السباعي أن يكشف مكامن الخلل في قضية الأخلاق، وذلك من خلال مقارنتها بالنفاق لتوضيح الفرق بينهما. وقد شبّه الكاتب الأخلاق بسلعة معروضة للبيع؛ فمع أن الأخلاق جزء من ثقافة ومعتقدات المجتمع، إلا أن كثيرًا من الناس لا يعيرونها الاهتمام الكافي ولا يمارسونها كما ينبغي.
وقد تحولت الرواية لاحقًا إلى فيلم سينمائي بالاسم نفسه، أخرجه فطين عبد الوهاب، وقام ببطولته كل من فؤاد المهندس وشويكار وسميحة أيوب، وعُرض الفيلم عام 1968م.
وتدور قصة الفيلم حول موظف بسيط يُدعى «مسعود أبو السعد»، يعيش حياة عادية لكنه غير قادر على تغيير واقعه. وبالصدفة يعثر على محل لبيع الأخلاق، فيكتشف أن الأخلاق السيئة قد نفدت، فيشتري بعض الأخلاق الحسنة ويجربها، غير أنه بعد العمل بها يخسر كل شيء، فيضطر إلى شراء بعض الأخلاق القبيحة، مثل النفاق، الذي يساعده على الوصول إلى أفضل المناصب.
وتحكي الرواية، على لسان السباعي، قصة رمزية يقول فيها:
تمشيت يومًا على ضفاف النيل، فوجدت دكانًا كُتب على بابه «تاجر أخلاق» بالجملة والتجزئة. دخلت إلى الدكان، فإذا بي أجد شوالات مصطفّة مكتوبًا عليها: صدق، كذب، مروءة، شجاعة، نفاق… إلى آخره. اشتريت بضع غرامات من «الشجاعة» وتناولتها مع كأس من الماء، ثم عدت إلى المنزل. كانت حماتي تسكن معنا، فقمت بطردها، فغضبت زوجتي ولحقت بها، وانزعج الأبناء فطردتهم من المنزل، ونمت وحيدًا.
وفي اليوم التالي استيقظت متأخرًا، وذهبت إلى العمل بهدوء. استقبلني زميل وسألني: لماذا تأخرت؟ المدير يسأل عنك. دخلت إلى مكتب المدير وقمت بضربه، وبعد وقت قصير كنت مطرودًا من العمل، وعدت إلى المنزل بلا وظيفة ولا زوجة ولا أولاد. ماذا أفعل؟ ذهبت إلى صاحب الدكان مرة أخرى، واشتريت قليلًا من «النفاق»، وتناولته مع قليل من الماء. وما إن حلّ المساء حتى كانت العائلة مجتمعة في المنزل.
وفي اليوم التالي استيقظت مبكرًا، ولم تمض دقائق حتى عدت موظفًا جديرًا بالثقة. فكرت كثيرًا في هذا الدكان، فذهبت إليه مرة أخرى واشتريت كل «النفاق» الذي لديه، ثم حملته إلى جسر فوق النيل، وأفرغته كله في مياه النهر، فشربت منه الأمة كلها… ومن يومها إلى اليوم، كما ترى!
وللكاتب يوسف السباعي العديد من الأعمال الأدبية البارزة، ومن أشهر رواياته التي تحولت إلى أفلام سينمائية: «نحن لا نزرع الشوك»، و«مولد يا دنيا»، و«غرام الأسياد»، وغيرها

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى