عام

الطريق السعودي… من يُديره؟

الحلقة الحادية عشرة من سلسلة “هندسة الرؤية”

في الحلقة التاسعة قُدِّم الفرق بين إدارة سلاسل الإمداد بوصفها تنظيماً للعلاقات التجارية، وبين الهندسة اللوجستية بوصفها تصميماً للنظام الذي يجعل تلك العلاقات تعمل. وفي مقالٍ لاحق بعنوان “الطريق السعودي” قُرِئت هذه الهندسة بوصفها جغرافيا سيادية تضع المملكة في قلب حركة التجارة الإقليمية. اللحظة الحالية تفرض السؤال الحاكم: من يُصمِّم، ومن يُدير؟
الخريطة الرسمية للممرات الخمسة تقدّم الإجابة الجغرافية: الدمام إلى القريات، الرياض إلى موانئ الغرب، رأس الخير إلى حائل فَينبع، الخرج إلى البحر الأحمر، حائل إلى نيوم. شبكةٌ تعبر الجزيرة وتربط الخليج بالبحر الأحمر عبر منظومةٍ بريةٍ وحديديةٍ متصلة. هذه شبكةٌ تعمل كقلبٍ في وسط الجسد؛ مركزٌ ثابتٌ تتفرّع منه شرايين تمتد في كل اتجاه، تحمل التدفق وتعيد ضخّه وتحفظ التوازن. أي اختناقٍ في عقدة يظهر أثره في الأطراف فوراً.
الدولة لا تُقاس بما تملك؛ تُقاس بما يمرّ عبرها.
المملكة تشغل ٧٠٪ من مساحة شبه الجزيرة العربية، وتقع بين الخليج العربي والبحر الأحمر الذي يعبره قرابة ١٣٪ من التجارة العالمية. الجغرافيا هنا لم تعد معطى طبيعياً؛ أصبحت رافعةً سيادية. وحين تتحوّل الجغرافيا إلى قرار، يتحوّل العبور إلى تأثير، والتأثير إلى سوق.
مارس ٢٠٢٦ كان لحظة إعلان. الممرات العالمية تعثّرت، الكلفة ارتفعت، وتباطأت الحركة. في اللحظة نفسها تسارع هذا النظام: أكثر من ٨٨ ألف شاحنة خلال ٢٥ يوماً، وتدفقٌ تجاوز ١٤٢ ألف شاحنة لدعم أسواق الإقليم، بحسب ما أعلنته وزارة النقل والخدمات اللوجستية. الغذاء والدواء والطاقة وصلت، والأسواق استمرت. القرار كان يُصاغ كل ساعة: توجيه حمولة، إعادة توزيع مسار، امتصاص كلفة، قراءة إشارةٍ قبل أن تتحوّل إلى اختناق.
حين يتعثّر العالم، يُقاس الطريق بما يستوعبه لا بما يحمله.
هنا تغيّر تعريف اللوجستيات. التدفق سيادة، الزمن قرار، والكلفة أداةُ ضبط. السوق يعيد تموضعه حيث يثبت الأداء، والمسارات تُقاس بثبات الأداء، والثبات ظهر هنا.
الإطار السيادي لهذا التحول موثّق. الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية تضع هدف ترسيخ المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث. وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية — أحد برامج تحقيق الرؤية — يُحدِّد المعيار الذي يُقاس عليه النجاح: دخول قائمة أفضل عشر دولٍ في مؤشر الأداء اللوجستي بحلول ٢٠٣٠، ورفع مساهمة القطاع في الناتج غير النفطي من ٦٪ إلى قرابة ١٠٪. والمنطقة اللوجستية المتكاملة في الرياض، التي أطلقها سمو ولي العهد ضمن حزمة مبادراته، تمثّل — بحسب وزارة النقل — دليلاً على تحقيق الرؤية وعنصراً ممكّناً رئيسياً، باستثماراتٍ تبلغ ٤٥ مليار ريالٍ بحلول ٢٠٣٠.
الدول التي تُتقن صناعة الممرات تبيع مرورها. الدول التي تُتقن إدارتها تبيع معيارها.
والطموح لا يكتفي ببلوغ المركز العاشر. الطموح أن يُقاس عليه، لا أن يُقاس به. حين يثبت الطريق السعودي أداءه، يتحوّل إلى معيارٍ سعوديٍّ للوجستيات، تقرأه المنطقة قبل العالم.
المرجعية الأكاديمية لهذا الملف محسومةٌ محلياً قبل أن تكون عالمية. الدليل الإرشادي لمهنة الهندسة الصناعية الصادر عن الهيئة السعودية للمهندسين يُدرج إدارة سلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية صراحةً ضمن علوم الهندسة الصناعية، ويُعرِّف التخصص بأنه تصميم وتحليل وتشغيل الأنظمة الإنتاجية المتكاملة باستخدام بحوث العمليات والنمذجة والمحاكاة وتحليل الأنظمة المعقدة. هذه ليست قراءةً شخصية للتخصص؛ هذا نصُّ الوثيقة الرسمية للهيئة التي تُرخّص المهنة في المملكة. وفي الجامعات الرائدة عالمياً تُدرَّس اللوجستيات ضمن الهندسة الصناعية: جورجيا تك، ميشيغان، بيردو، معهد ماساتشوستس.
من يخلط بين الأداة والنظام، يُعِدّ جيلاً يُجيد الأداة ولا يفهم لماذا بُنيت.
لكن الطريق السعودي لا يُبنى بقسمٍ واحد. يُبنى بإطارٍ واحدٍ تعمل داخله أقسامٌ كثيرة.
الصناعية تُصمِّم النظام وتضبط حوكمته. حولها تتحرّك الأذرع التخصّصية بوظائف محدّدة: المدنية تُخطِّط البنية وتُدير طاقة العقد. الميكانيكية والكهربائية تُشغِّلان الأسطول والموانئ. الحاسب يبني المنصّات وخوارزميات التوجيه وأنظمة التعلّم. الاتصالات تُتيح الرؤية اللحظية للشبكة. الكيميائية والبترول تُعالجان تدفّق المادة الحساسة. التعدين يربط رأس الخير بالسلسلة. الطاقة تضبط كلفة الحركة واستدامتها.
ويمتدّ الإطار إلى ما وراء كلية الهندسة. الأعمال تبني إدارة سلاسل الإمداد تخصّصاً تجارياً مكمّلاً يخدم النظام. الحقوق تُؤطّر العقود الدولية وأنظمة العبور. الاقتصاد يقيس الأثر على الناتج والميزان التجاري. علوم الحاسب وعلم البيانات تفتح طبقة الذكاء. اللغات تفتح المسارات مع الأسواق. الإعلام يحفظ الثقة بسرديةٍ دقيقة. هذا توزيع أدوارٍ داخل نظامٍ واحدٍ بمرجعٍ واحد. التكامل يُقال بعد تثبيت المرجعية، لا قبلها.
الاستدامة طبقةٌ داخل هذا النظام، لا إضافةٌ خارجه. كفاءة الطاقة، تقليل الانبعاثات، وإدارة الموارد تدخل في معادلة الأداء.
المهندس الذي يُدير الطريق يقيس الزمن والكلفة والكربون في معادلةٍ واحدة.
هذا ما تبنيه الجمعية السعودية لمحترفي الاستدامة عبر برامجها، وهذا ما ستُقاس عليه منظومات اللوجستيات في العقد القادم.
التوزيع يمتد جغرافياً كما يمتد أكاديمياً. المنطقة الشرقية بسعتها الصناعية في الدمام والجبيل والأحساء تُنتج مهندس تشغيلٍ كثيف، يدير التدفق الثقيل ويقرأ قيود الطاقة والبتروكيماويات. الرياض بعقدتها الإدارية والجافة تُنتج مهندس شبكةٍ يوازن الأحمال ويقود القرار من مركز المنظومة. مكة المكرمة والمدينة المنورة بموسميّة الحج والعمرة تُنتجان مهندس لوجستياتٍ بشرية، تخصّصٌ نادرٌ عالمياً مرجعه فريدٌ في الأرض. جدة بمينائها الإسلامي وبوّابتها البحرية تُنتج مهندس زمن عبورٍ وتجارةٍ دولية. ينبع بتكاملها بين البتروكيماويات والميناء تُنتج مهندس سلاسل إمدادٍ صناعية متقدمة. نيوم تُنتج مهندس تصميم نظمٍ يبني قبل التنفيذ.
حائل بموقعها الوسيط في شبكة الجسر البري تُنتج مهندس عقدةٍ داخليةٍ يربط الشمال بالجنوب. تبوك ببوّابتها الشمالية الغربية وقربها من نيوم وقناة السويس تُنتج مهندس ممرّاتٍ عابرةٍ للحدود. القصيم بموقعها الزراعي المتوسط تُنتج مهندس سلاسل إمدادٍ غذائية، وهو تخصّصٌ يدخل صميم الأمن الوطني. المنطقة الشمالية بممرّ القريات إلى الأردن تُنتج مهندس عبورٍ برّيٍ دولي. عسير ونجران وجازان بحدودها الجنوبية وموانئها الناشئة تُنتج مهندس ممرّاتٍ إقليميةٍ ولوجستياتٍ جبلية. الباحة والجوف بخصوصية كلٍّ منهما البيئية والزراعية تُنتجان مهندس لوجستياتٍ متخصّصة لسلاسل المنتجات المحلية.
ثلاث عشرة منطقة، ثلاث عشرة ميزة لوجستية. الجامعة التي تُكرّر برنامجاً عاماً لا تُضيف للمنظومة؛ تُنافس جاراتها على طالبٍ واحد. الجامعة التي تبني على ميزة منطقتها تُضيف إلى الطريق خبرةً لا تُستورد.
وفي هذه النقطة تحديداً تقف الجامعة السعودية اليوم أمام قرارٍ يُحدِّد ما بعده.
برامج اللوجستيات تُطلَق في جامعاتنا بوتيرةٍ متسارعة. بعضها في كليات الحاسب، بعضها في كليات الأعمال، بعضها في أقسامٍ جديدةٍ بلا انتماءٍ أكاديميٍّ واضح. التوزيع لا يتبع منهجية التخصّص؛ يتبع أسرع قسمٍ أطلق مقترحاً، أو أقوى عميدٍ قدّم مذكّرة. الطالب الذي يدخل هذه البرامج يحمل شهادةً باسم لوجستي، ويدخل السوق وهو يعرف جزءاً من الأداة ولا يعرف النظام.
السوق سيكتشف هذا، وستكتشفه هيئة النقل وسدايا وأرامكو وموانئ قبل غيرهم. ثم ستعود المؤسّسات إلى استقطاب كفاءاتٍ من خارج الحدود لتسدّ الفجوة التي صنعها سوء التوزيع الأكاديمي محلياً. هذه خسارةٌ مُركَّبة: إنفاقٌ على برامج، وسوقٌ يستورد كفاءات، وطالبٌ يحمل شهادةً لا تُشبه ما يُطلَب منه، ومستهدفٌ وطنيٌّ مُعلَن في الرؤية يتأخّر بلوغه عاماً بعد عام.
الجامعة التي تتأخر في اتخاذ قرارها الأكاديمي لا تتأخر عن نفسها. تتأخر عن دولةٍ تتحرّك بإيقاعٍ أسرع منها.
المطلوب قراران واضحان. الأول: إسناد برامج هندسة اللوجستيات مرجعياً إلى أقسام الهندسة الصناعية وفق الدليل الرسمي للهيئة السعودية للمهندسين، وبناء شراكاتٍ تشغيليةٍ ملزمةٍ مع بقية التخصّصات أذرعاً تُنفِّذ داخل الإطار. والثاني: ربط الطالب بعقدةٍ حقيقيةٍ في الشبكة منذ بداية البرنامج، وقياس مشروع التخرّج بتحسينٍ فعليٍّ في منشأةٍ قائمة — دقيقةٌ تُختصر، ريالٌ يُوفَّر، موثوقيةٌ ترتفع. الشراكات مع أرامكو ومعادن وسابك والموانئ قابلةٌ للتنفيذ ضمن الإطار الذي يضبطه مجلس شؤون الجامعات، والبنية جاهزة بعد ضخّ أكثر من ٦١ مليار ريالٍ في مشاريع البنية التحتية، بحسب ما أعلنته وزارة النقل.
المبادرات السيادية لا تنتظر. الممرات فُتحت، والبنية اكتملت، والرؤية حدّدت الرقم. الأمانة العلمية تحتّم الإسراع في الاستفادة من هذه اللحظة لتجهيز الجيل الذي يُشغِّلها. والتصدّر في مؤشرات اللوجستيات العالمية لن يأتي من بنيةٍ وحدها؛ يأتي من جيلٍ يصنع المعيار الذي يُقاس عليه الآخرون.
من يُؤجِّل القرار الأكاديمي الصحيح، لا يُؤجِّل برنامجاً. يُؤجِّل بلوغ الطريق لمنتهاه.
السؤال يبقى مباشراً: من يُدير، ومن أين يتعلّم؟
السوق يختار من يُثبت قدرته على ضبط التدفق. الجامعة تُحدِّد من يملك هذه القدرة.
قرار السوق يتبع قرار الجامعة بسنوات. قرار الجامعة يتبع قرار الوطن بلحظة. وقرار الوطن قد اتُّخذ.
الطريق يعمل. والقلب يضخّ. والمعيار يتشكّل.
ومن لا يتعلّم قياس هذا النبض… لن يُدير الطريق. سيُدار داخله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى