كلُّ شيءٍ ليس له معايير لا يمكن قياسه مطلقًا؛ إذ لا يقوم حكمٌ بلا ميزان، ولا وصفٌ بلا مقياس، ولو كان خفيًّا في باطن العقل. لذلك استطعنا أن نقول: «فلانٌ يحمل دهاء»، و«فلانٌ ذكي»… وهكذا في كلِّ شيء؛ لأن وراء كل حكمٍ صورةً ذهنية، أو تجربةً سابقة، أو مقياسًا ما نعود إليه وإن لم نُصرِّح به.
والطبيعي جدًّا أن تكون هذه المعايير حقيقيةً أو مجازية؛ لأن العقل لا يتحرّك في فراغ. يستحيل أن تقول: «فلانٌ ذكي»، ما لم يكن هناك «معيار» إمّا واضحٌ يُقاس، أو موقفٌ شاهدتَه تصرّف فيه بذكاء. حتى حين نحكم على «الانطباع»، أو «الحضور»، أو «الكاريزما»، فإننا في الحقيقة نسند حكمنا إلى مشاهد وتجارب متراكمة، صارت في داخلنا مقياسًا صامتًا.
فالمفاوض «المتمكّن» – على سبيل المثال – لا يُطارد المكاسب الصغيرة، ولا يبدّد حضورَه في تفاصيل لا تغيّر النتيجة. تجده ينسحب من الجزئيات عن قصد، ويصمت عن بعض ما يملك؛ لأنه يدرك أن القوة الحقيقية ليست في كثرة ما تُظهر، بل في دقّة ما تختار إظهاره، وهو يعرف كذلك أن أقوى ورقةٍ ليست ما في اليد، بل ما يظنّ الآخر أنك لا تحتاجها أصلًا.
ثم تأتي «إدارة الحديث» بوصفها مهارةً مختلفة، لكنها تسير في الاتجاه نفسه. فهناك فرقٌ شاسع بين من يدير «الحديث»… ومن يدير «الانطباع». الأول قد يكسب جولةً واحدة؛ لأن صوته كان أعلى، أو عبارته أبلغ، أمّا الثاني فيصوغ المشهد كاملًا؛ يضبط الجو، ويوجّه زاوية النظر، ويجعل من كل كلمةٍ لبنةً في صورةٍ أكبر.
وكذلك «الدهاء الحسن»؛ ليس خِداعًا فجًّا، ولا التفافًا على الحقيقة، بل حضورٌ أنيقٌ للعقل. هو اختيارٌ محسوب، وصمتٌ مقصود، وتنازلٌ يبدو بسيطًا… لكنه يفتح بابًا أكبر. في ظاهر المشهد قد تبدو متراجعًا عن شيءٍ يسير، لكن في عمق المعادلة أنت تتقدّم نحو مساحةٍ أوسع، لا يراها إلا من ينظر إلى الصورة من أعلى.
في هذا النوع من الدهاء، تحتاج إلى «التوقيت» أكثر من الحاجة إلى الكلام؛ لأن الكلمة نفسها إذا جاءت في غير زمنها فقدت نصف قوّتها، وربما انقلبت عبئًا على قائلها. التوقيت جزءٌ من المعنى، والصمت – في لحظاتٍ معيّنة – ليس فراغًا، بل امتلاءٌ من نوعٍ آخر. هكذا تجعل حضورك كافيًا… دون أن تضطر لإثباته في كلِّ مرّة، ودون أن تحوّل نفسك إلى مشروع تبريرٍ دائم.
وهكذا، كلُّ شيءٍ له «مقاييس»، كما الشرطُ؛ إذ يلزم من وجودِه الوجودُ، ومن انتفائِه العدم…
مدير إدارة الاستثمار – كلية الباحة الأهلية






