
تعتبر حفلات التخرج في المدارس الابتدائية من المناسبات التربوية الجميلة التي ينتظرها الطلاب وأولياء الأمور بكل سرور ، فهي تمثل ثمرة مرحلة تعليمية مهمة، وتغرس في نفوس الأبناء روح الإنجاز والانتماء. ومن المفترض أن تعكس هذه الحفلات قيم المجتمع السعودي وهويته الأصيلة، وأن تكون وسيلة تربوية تُعزز الأخلاق والعادات والتقاليد والقيم الحميدة، وتُنمّي في نفوس الطلاب حب الوطن والاعتزاز بثقافته.
إلا أن بعض حفلات التخرج في الآونة الأخيرة شهدت ظهور ممارسات لا تتناسب مع البيئة التعليمية ولا مع ثقافة المجتمع السعودي وهويته .ومن أبرزها تقديم بعض الرقصات الغربية أو تقليد عادات وثقافات أجنبية بعيدة عن هوية الوطن. ويظهر ذلك أحيانًا في طريقة الأداء، أو نوع الموسيقى، أو بعض الحركات والملابس التي لا تنسجم مع قيم المجتمع وعاداته الأصيلة.
إن المدرسة ليست مكانًا للترفيه فقط، بل هي مؤسسة تربوية وتعليمية مسؤولة عن بناء شخصية الطالب وغرس المبادئ السليمة فيه. ولذلك فإن إدخال أي مظاهر دخيلة أو تقاليد قد تؤثر سلبًا على هوية الأبناء، ويُضعف ارتباطهم بثقافتهم الوطنية، خاصة في المرحلة الابتدائية التي تعتبر من أهم المراحل في تكوين الفكر والسلوك والقيم لدى النشء.
وهذه ملاحظة أخرى في بعض المدارس الأهلية والعالمية، تتمثل في المبالغة في الرسوم المرتبطة بحفلات التخرج، رغم أن أولياء الأمور يدفعون رسومًا دراسية مرتفعة لكل عام دراسي . ففي نهاية الفصل تُطلب مبالغ إضافية تحت مسميات متعددة، مثل عباءة التخرج، والدرع التذكاري، ورسوم الحفل الختامي، ثم تُرسل رسائل متكررة تؤكد ضرورة السداد، وهو ما قد يضع بعض الأسر تحت ضغط مادي ونفسي غير مبرر.
وفي بعض الحالات، قد يُفهم من بعض الرسائل أو الإجراءات أن عدم السداد قد يؤثر على مشاركة الطالب أو الطالبة في الحفل، أو يُشعر ولي الأمر بأن غياب ابنه أو ابنته عن المدرسة خلال فترة الاحتفال هو الخيار الأفضل حتى لا يتأثر نفسيًا. ومثل هذه الأساليب الملتوية لا تنسجم مع الرسالة التربوية والإنسانية للمؤسسات التعليمية، إذ يفترض أن تكون المدرسة بيئة داعمة لجميع الطلاب دون تمييز، وأن تعزز قيم الاحترام والمساواة والعدل ومراعاة ظروف الأسر المختلفة.
ومن هنا يبرز الدور المهم لوزارة التعليم في تنظيم ومتابعة حفلات التخرج داخل المدارس، ووضع ضوابط واضحة تضمن أن تكون هذه المناسبات متوافقة مع القيم الإسلامية والهوية السعودية. كما تقع على الوزارة مسؤولية الحد من أي ممارسات أو فقرات تتضمن تقليدًا لثقافات أجنبية لا تناسب المجتمع وهويته، مع التأكيد على تعزيز البرامج الوطنية والتراثية الهادفة التي تُعزز الانتماء والاعتزاز بالثقافة السعودية.
ومن الواجب أيضًا أن تُفعّل إدارات المدارس الرقابة على جميع فقرات الحفلات، وأن يتم اختيار الأنشطة بعناية بما يحقق الهدف التربوي والتعليمي، مع تشجيع الفقرات الوطنية والثقافية والتراثية التي تُعبّر عن هوية المملكة وقيمها الراسخة. كما أن من الأجدر بالمدارس، خصوصًا التي تتقاضى رسومًا دراسية مرتفعة، أن تتحمل جزءًا من مسؤوليتها الاجتماعية والتربوية تجاه طلابها، من خلال دعم تكاليف حفلات التخرج، باعتبار أن هذه المناسبة جزء من التجربة التعليمية التي تقدمها المدرسة لأبنائها الطلاب، وليست عبئًا إضافيًا يُثقل كاهل الأسرة.
فالمؤسسة التعليمية الناجحة لا تُقاس فقط بمستواها الأكاديمي، بل أيضًا بقدرتها على بناء بيئة تربوية عادلة وإنسانية تحفظ كرامة الطالب، وتُشعره بالمساواة والانتماء، وتزرع في نفسه الذكريات الجميلة المرتبطة بمدرسته وزملائه ومعلميه.
وفي ختام مقالي هذا ، أوكد على إن المحافظة على الهوية الثقافية والوطنية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة ووزارة التعليم والمجتمع بأكمله. ومن المأمول أن تكون حفلات التخرج مناسبة تربوية راقية تعكس أخلاق المجتمع السعودي وقيمه الأصيلة، وتسهم في إعداد جيل معتز بدينه ووطنه وثقافته، قادر على مواكبة التطور مع التمسك بثوابته وهويته الوطنية المستمدة من تعاليم ديننا الحنيف.




