عام

قريتي… حين كان المكان يصنع الإنسان

قريتي الصغيرة (العبالة , الرهوة)، المُتّكئة بين قُرى تُشبهها في الحجم وتختلف عنها في الذاكرة، كانت رغم بساطتها عالماً مُكتمل الملامح, جمعت في طبيعتها بين صلابة الجبال وامتداد الوادي، وكأنها تُعلّم أهلها كيف يكون الإنسان قوياً في مواقفه، ليناً في طباعه، واسعاً في عطائه.

هناك، لم تكن الحياة معقدة كما هي اليوم؛ كان الناس يداً واحدة، تتقاطع حاجاتهم كما تتقاطع طُرقهم، ويجد كل فرد نفسه في الآخر, وقبل أن تمتد يد #الحداثة وتعيد تشكيل العلاقات، كان الترابط ضرورة حياة، وليس ترفاً اجتماعياً، وكانت الجماعة إطار الأمان الأول والأخير.

الجبال التي كانت تحيط بالقرية لم تكن مجرد تضاريس، بل كانت أيضاً سياجاً ثقافياً يَحُدّ من الانفتاح، ويمنح في الوقت ذاته هوية صافية لم تتعرض لكثير من التّشظّي, فالعالم كان يصلنا محدوداً، عبر الراديو أو عبر روايات العائدين من المدن، لكنه كان كافياً ليُبقي فضولنا حياً دون أن ينتزع منا بساطة العيش.

ومع التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع، تغيّرت القرية كما تغيّر غيرها؛ تراجعت الحاجة المتبادلة، وتراجع الاعتماد المتبادل بين الناس، وتبدّلت أنماط الحياة، حتى أصبحت كثير من القيم التي كانت بديهية آنذاك، أقرب إلى الذكرى اليوم منها إلى الممارسة, ورغم ذلك لم يكن التغيّر سلبياً بالكامل، لكنه حمل معه كُلفة إنسانية هادئة، لا تُرى مباشرة، لكنها تُحَسّ في التفاصيل.

أما أنا، فقد انقطعت عن قريتي منذ عام 2012، حين انتقلت والدتي -رحمها الله- إلى المدينة للحاجة الطبية، وهناك كتبت فصلاً مختلفاً من حياتنا، انتهى برحيلها إلى رحمة الله تعالى, ومنذ ذلك الحين، لم يعد الانقطاع جغرافياً فقط، بل أصبح زمنياً وشعورياً، وكأن القرية ارتبطت في داخلي بوجودها، وبفقدها تغيّر معنى العودة.

واليوم، حين أستدعي القرية، لا أعود إلى مكان بقدر ما أعود إلى زمن، إلى أصوات وصور ووجوه رحلت، لكنها ما زالت تسكنني، أدرك أن القرى تتغير كما يتغير أهلها، لكن ما يبقى حقاً هو ذلك الأثر العميق الذي تصنعه البدايات فينا، وهو الأثر الذي لا تقدر عليه المدن مهما اتسعت.

قريتي لم تعد مجرد جغرافيا، بل أصبحت مرآة لذاكرة شخصية، ودرساً صامتاً في كيف تَصنع البيئات البسيطة إنساناً معقد التجربة، عميق الانتماء.

8-5-2026

https://x.com/khalid_s_ghamdi/status/2053017643955671291?s=20

 

              الصورة التقطت في صيف 2012

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى