المقالات

تحوُّلات فلسفية عن العقل والمعرفة

ظلت البشرية خلال التاريخ بطوله وهي تعتقد بأن العقل طاقة نورانية منفصلة عن الجسد فهذه الهبة غير جسدية وهي تنفذ إلى الحقائق وتستخرج المعرفة ومع مستهل الفلسفة الحديثة أكد ديكارت هذه الثنائية فالعقل عنده يختلف عن الجسد وهو آلة المعرفة فالمعرفة عقلية الأساس والعقل يختلف عن الجسد إنه كيان نوراني غير متجسد …..
ثم جاء جون لوك فنقل الفاعلية المعرفية من العقل إلى الحواس والى التجربة فليس العقل مصدر المعرفة وإنما الحس هو مصدرها فعند جون لوك التجربة تولد المعرفة أما العقل فيستخلص القوانين من التجارب فالسببية عند لوك قانون طبيعي موضوعي والذات الإنسانية مركز الإدراك وبذلك تكون المعرفة العلمية القائمة على التجارب يقينًا تجريبيا …..
رينيه ديكارت أقام المعرفة على الأفكار الفطرية التي يرى أنها موجودة أصلا في العقل أما جون
لوك فأقام المعرفة على الخبرة الحسية فهو يرى أن معرفتنا للعالم غير مباشرة بل جاءت من الحواس لكن ديفيد هيوم قوَّض كل ذلك فهدم فكرة اليقين فمعارفنا مجرد انطباعات حسية فالعقل عنده لا يعرف بل يعتاد وما يعتقده الناس استدلالا ما هي إلا انطباعات حسية
والذات عند هيوم ليست وجودا صلبا وإنما هي سلسلة من الانطباعات بلا جوهر أما المعرفة فهي مجرد عادة توقعية ….
ديفيد هيوم عبقري مذهل لقد توصل إلى نتائج عظيمة حاسمة غير مسبوقة ولم تتضخ صحتها إلا بعد أن بلغت علوم الدماغ ذروة النمو والكشف والتطور …..
أفكار ديفيد هيوم زلزلت تفكير عمانوئيل كانط فانبرى ليلملم ما بعثره هيوم فأنشأ الفلسفة النقدية وأصدر مجموعة كتبه المعروفة (نقد العقل المحض) و( نقد العقل العمل) وغيرهما من تراثه الضخم وقد حاول أن يثبت بأن الحس أساس المعرفة لكنها تكون كذلك بما يضيفه العقل …..
لكن علوم الدماغ قد برهنت أخيرا وبوضوح كامل بأن طبيعة الدماغ والعقل والمعرفة والذات تتفق مع فلسفة ديفيد هيوم فالأساس شديد الهشاشة ……..
خلال السنوات القليلة الماضية صدرت آلاف الدراسات ومئات الكتب عن العقل والدماغ وهي تؤكد ما توصل إليه ديفيد هيوم ومن آخر الإنجازات العلمية في هذا المجال الكتاب الضخم (الفلسفة في الجسد) للبروفيسور جورج لايكوف والبروفيسور مارك جونسون لقد أمضى كل منهما أربعين عاما في الدراسة والتمحيص حول العقل والمعرفة والحواس والدماغ ثم أنجزا عملهما المشترك الباهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى