في كل عام ومع حلول عيد الأضحى المبارك، تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي موجة من المقاطع الفكاهية والصور الساخرة التي تتناول الأضاحي من خراف وبقر وثيران، في سياق يُراد به الترفيه وإثارة الضحك. غير أن هذا النمط المتكرر يفتح بابًا مهمًا للتأمل: هل يجوز تحويل شعيرة دينية عظيمة إلى مادة للسخرية أو التهكم تحت شعار “الفكاهة”؟
لقد قرر القرآن الكريم مبدأً واضحًا في التعامل مع شعائر الله، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وهي آية تؤسس لقاعدة الاحترام والتوقير لكل ما ارتبط بالعبادة والنسك، ومنه شعيرة الأضحية التي تمثل رمزًا تعبديًا عظيمًا في الإسلام.
ومع ذلك، تتحول هذه الشعيرة في بعض المنصات إلى مادة للتندر؛ فنرى مقاطع تُظهر الخروف وكأنه “يهرب من مصيره” في مشهد تمثيلي ساخر، أو صورًا معدلة تُلبس الأضحية تعبيرات بشرية مضحكة، أو تعليقات تهكمية تربط بين الأضاحي وسلوكيات يومية بطريقة فكاهية مبالغ فيها. وقد تصل بعض المقاطع إلى تصوير الموقف وكأن الأضحية “تعترض” أو “تتوسل” بأسلوب كوميدي يخرج عن حدوده.
لا شك أن روح الدعابة جزء من الثقافة الإنسانية، وأن الفرح في الأعياد مشروع ومطلوب، لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الفكاهة إلى تقليل من قيمة الشعيرة ذاتها، أو إضعاف حضورها في الوعي الجمعي، خاصة لدى الأطفال والشباب الذين قد يختلط عليهم المعنى بين الاحترام والاستهزاء.
إن الأضحية ليست مجرد مشهد موسمي أو مادة عابرة للتسلية، بل هي عبادة مرتبطة بمعاني التضحية والطاعة والتقرب إلى الله، وإحياء سنة نبي الله إبراهيم عليه السلام. ومن هنا، فإن التعامل معها باستخفاف -إن كان بنية المزاح- قد يفرغها من بعدها الروحي في أذهان البعض.
وفي زمن تتسارع فيه المنصات الرقمية لنشر المحتوى دون تمحيص، يصبح الوعي مسؤولية فردية وجماعية في اختيار ما يُنشر وما يُتداول، حتى تبقى الشعائر في مكانتها التي تستحقها، بعيدًا عن الابتذال أو الاستهزاء غير المقصود.
إن احترام الأضحية لا يعني إلغاء الفرح، بل يعني تهذيب الفرح ليظل راقيًا، يجمع بين البهجة والوقار، وبين السرور والتوقير، لتبقى مناسبة عيد الأضحى مساحة للإيمان كما هي مساحة للفرح، دون أن تطغى إحدى الجهتين على الأخرى.
• مستشار اجتماعي





