اطلعت باهتمامٍ وتقدير على ما سطره الأستاذ هيثم عبدالحميد في صحيفة مكة الإلكترونية تحت عنوان «نجوم في سماء الطوافة»، وهي مقالات تستحق الإشادة من حيث حرصها على توثيق جانبٍ مهم من تاريخ مكة المكرمة وخدمة ضيوف الرحمن. غير أنني، وأنا أقرأ تلك السطور، وجدت نفسي أتوقف أمام سؤالٍ مشروع:
هل يمكن لسماء الطوافة أن تختزل في بعض نجومها بينما تغيب عنها نجوم أخرى أضاءت الدرب ذاته لعقود طويلة؟
إن تاريخ الطوافة ليس تاريخ أفرادٍ أو أسرٍ بعينها، بل هو تاريخ مجتمعٍ مكي كامل تشكل عبر قرون من العطاء والتفاني والإخلاص في خدمة حجاج بيت الله الحرام. وقد أسهمت عشرات الأسر المكية العريقة في بناء هذا الإرث الإنساني والوطني العظيم، حتى أصبحت الطوافة جزءًا أصيلًا من هوية مكة وأهلها.
ومن بين تلك الأسر أسرة آل أزهـر، التي ارتبط اسمها بخدمة ضيوف الرحمن جيلاً بعد جيل. فقد كان المطوف الشيخ أحمد محمد أزهـر – رحمه الله – أحد رجالات الطوافة الذين حملوا أمانة خدمة الحجاج في زمنٍ كانت فيه الإمكانات محدودة، لكن الإخلاص كان واسعًا بحجم الرسالة التي يحملها أهل مكة في قلوبهم.
ثم جاء من بعده أبناؤه، ومنهم والدي المطوف الشيخ إبراهيم أحمد أزهـر – رحمه الله – الذي كرس حياته لخدمة الحجاج والمعتمرين، وأسهم مع إخوته (حامد، عبدالله، كامل، ومحمد، وسعيد، علي – والسيدة زكية) “رحمهم الله جميعاً”، إضافة إلى نساء وأبناء وبنات العائلة، في استمرار مسيرة العائلة في هذا الشرف العظيم، حتى أصبحت الطوافة بالنسبة لهم رسالة حياة قبل أن تكون مهنة أو عملاً.
ولم تكن عائلة آل أزهـر وحدها، فهناك أسر مكية كثيرة أخرى ربما لم تحظ بالذكر في تلك المقالات، رغم أن بصماتها ما زالت حاضرة في ذاكرة مكة وفي وجدان آلاف الحجاج الذين عرفوا معنى الكرم والرعاية وحسن الوفادة على أيدي أبنائها.
إن الإنصاف التاريخي لا يعني التقليل من شأن من ذكروا، وإنما يعني أن نمنح كل ذي حق حقه، وأن نكتب التاريخ كما كان، لا كما وصلتنا بعض صفحاته. فحين نتحدث عن الطوافة فإننا نتحدث عن منظومة اجتماعية وإنسانية متكاملة شاركت في بنائها أجيال متعاقبة من المطوفين الذين لم يبحثوا عن شهرة أو أضواء، بل كانوا يرون في خدمة الحاج شرفًا يكفيهم عن كل تكريم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه للأجيال الجديدة اليوم هو أن نكتب تاريخ الطوافة كتابة شاملة وعادلة، تحفظ أسماء الرواد جميعًا، وتوثق جهود الأسر المكية التي حملت هذه الرسالة المباركة عبر السنين، حتى لا تضيع بعض الصفحات من ذاكرة المكان.
إن سماء الطوافة واسعةٌ جدًا، وما زالت تتسع لكل النجوم التي أضاءت طريق ضيوف الرحمن، وكلما اتسعت دائرة التوثيق ازدادت الصورة اكتمالًا، وازداد الوفاء لمن صنعوا هذا التاريخ المجيد.
رحم الله من رحل من رجالات الطوافة، وحفظ الله من بقي منهم، وجزى جميع الأسر المكية التي تشرفت بخدمة الحجيج خير الجزاء، فهم شركاء في صناعة واحدة من أعظم قصص العطاء الإنساني في تاريخ هذه البلاد المباركة.
فالتاريخ يكتمل حين ننظر إلى السماء كلها.
• عضو هيئة الندريس بجامعة المؤسس


