ما أعظم العلم حين يكون نورًا يهدي العقول، وسراجًا يبدد ظلمات الجهل ، ونبراساً يضيء طريق المجتمعات !
وما أسمى طالب العلم وهو يشق طريقه بين الكتب والبحوث والقاعات الدراسية، ساهرًا الليالي، مكابدًا المشقة، صابرًا على عناء التحصيل، حتى ينال مؤهله العلمي عبر طرق نظامية معترف بها، تشهد له بالكفاءة قبل أن تمنحه الشهادة!
فالعلم لم يكن يومًا ورقةً تُعلّق على الجدران، ولا لقبًا يُسبق به الاسم ، وإنما هو رحلة طويلة من الجد والاجتهاد، وسنوات من البذل والتضحية، يدفع فيها الطالب من عمره ووقته وجهده ما لا يقدَّر بثمن ، ولهذا كانت الشهادات العلمية الحقيقية ثمرة مستحقة لسنوات من الكفاح، ودليلًا على مستوى معرفي ومهاري يؤهل صاحبها لخدمة مجتمعه ووطنه.
غير أن المشهد في بعض الأحيان يبعث على الأسى؛ إذ يفاجأ أصحاب المؤهلات الحقيقية بمن يزاحمونهم في الميادين المهنية والعلمية بشهادات مضروبة، أو درجات علمية جُلبت من مؤسسات وهمية، أو جامعات غير معترف بها، لا تتجاوز علاقتها بالعلم علاقة السراب بالماء.
وهنا تتحول تلك المؤهلات إلى سلعة معروضة في سوق الحراج ، تُشترى بالأموال ، وتُقتنى بالأوهام، بينما يُهمَّش أصحاب الكفاءة الذين دفعوا ثمن النجاح من أعمارهم وجهودهم.
والأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء لا يكتفون بادعاء التأهيل، بل يتصدرون المنصات، ويقدمون الدورات التدريبية، ويعتلون منابر الندوات، ويقودون ورش العمل، متوشحين بألقاب أكاديمية براقة تخدع الناظرين ، فيظن الناس أنهم أمام خبراء وعلماء، بينما الحقيقة لا تلبث أن تنكشف عند أول نقاش علمي جاد، أو حوار معرفي عميق؛ فتظهر ضحالة الأفكار، وضعف التحليل، ومحدودية الفهم، وهشاشة الخلفية العلمية التي لا تستند إلى أساس راسخ من المعرفة.
فالعلم الحقيقي كالمسك، لا يحتاج إلى من يعلن عنه، وإنما يفصح عن نفسه بأثره ، أما الادعاء فسرعان ما تسقط عنه الأقنعة حين يُختبر في ميدان الفكر والنقاش ، وعندها يتبين الفرق بين من بنى علمه لبنة فوق لبنة حتى اشتد بنيانه، وبين من ارتدى ثوب العلم دون أن يملك من جوهره شيئًا.
إن خطر هذه الظاهرة لا يقف عند حدود تزوير المؤهلات ، أو خداع الأفراد، بل يمتد إلى المجتمع بأسره؛ إذ يفسح المجال لأشخاص غير مؤهلين للتأثير في العقول، وصناعة القرارات، وتوجيه الرأي العام، ونقل معارف مشوهة قد تضر أكثر مما تنفع.
ومن هنا فإن حماية قيمة العلم تقتضي التصدي لهذه الممارسات، والتحقق من المؤهلات، وعدم تمكين المدعين من تصدر المشهد العلمي ، أو التدريبي ، أو الثقافي.
فالمجتمعات لا تنهض بالألقاب المستعارة، ولا بالشهادات المشتراة، وإنما تنهض بالعلماء الحقيقيين الذين حملوا مشاعل المعرفة بصدق وأمانة.
وحين يُصان العلم من العبث، وتُحفظ مكانة المؤهلين، يصبح للدرجات العلمية قيمتها الحقيقية، وتعود الشهادات إلى معناها الأصيل: شاهدًا على العلم، لا بديلًا عنه.
0






