يبدو لي أن أعداد الطلاب الدوليين تتزايد سنةً بعد أخرى، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول الجاذبة لهؤلاء الطلاب تليها كندا وبريطانيا. والشائع بين الناس أن هذه الدول تحقق مكاسب مالية كبيرة لقاء الرسوم الباهظة التي تفرضها على هؤلاء الطلاب؛ غير أن العارفين بما يدور داخل الكواليس الأكاديمية والسياسية يستطيعون تلمس الأهداف البعيدة للترحيب بالطلاب الدوليين في تلك الدول؛ إذ لا يقتصر الأمر على المكاسب المالية؛ بل يتعداه إلى كسب ولاء أولئك الطلاب المتفوقين في أغلب أحوالهم.
هذه الدول المتقدمة علمياً وتقنياً تجذب أولئك الطلاب إلى ثقافتها ونشاطاتها التجارية وبعد تخرجهم يمثلون كسباً عظيماً؛ لأنهم إما أن يختاروا العمل فيها بإغراءات مالية واجتماعية في إطار برنامج brain gain (استقطاب العقول) وإما أن يعودوا إلى بلدانهم مشكلين قوةً ناعمة لبلد دراستهم حيث تشير كثير من الدراسات في هذا السياق إلى أن الدارسين في البلدان المتقدمة يحتفظون بانطباعاتهم الإيجابية عنها لعقود من الزمن، ويكون لتلك الانطباعات بالغ الأثر في حياتهم العلمية والعملية ويمثل كثير منهم ثقافة بلد الدراسة وقيمها .
وقد صاغ البروفيسور الأمريكي جوزيف ناي مصطلح القوة الناعمة Soft Power عام ١٩٩٠ م ليؤكد على أن الأمة الناجحة هي تلك التي تستطيع جذب الناس إلى ثقافتها ونظامها دون اللجوء للقوة العسكرية. وفي رأيه تمثل المؤسسات الأكاديمية الأمريكية قوة ناعمة استثنائية؛ لأنها قادرة على بناء شبكة ثقافية تخدم الولايات المتحدة من خلال الطلاب الدوليين الذين درسوا في جامعاتها.
ويحمد للمملكة أنها فتحت أبواب جامعاتها للطلاب الدوليين من مختلف الجنسيات في جامعاتها المتعددة في مختلف المناطق والتي صرفت عليها بسخاء طوال العقود الماضية، غير أن أوضاع الطلاب الدوليين في جامعتنا تختلف عن أوضاع نظرائهم في جامعات العالم؛ فهم يدرسون بالمجان ويحصلون في أغلب أحوالهم على منح سخية تمكنهم من مواصلة دراساتهم في البكالوريوس والماجستير والدكتوراة.
ويسهم التوسع في قبول الطلاب الدوليين في جامعات المملكة في الاستفادة من ظاهرة المثاقفة Acculturation التي قوامها الانفتاح الواعي؛ لأن رؤية ٢٠٣٠ تسعى إلى إعداد أجيال واعية معتزة بتاريخها وثقافتها ومنفتحة في الوقت نفسه على الثقافات الأخرى بما يكفل الاستفادة من التجارب والمنجزات، وتحقيق ذلك لا يتم بين عشية وضحاها، بل يتطلب عملاً دؤوباً يمتد لعشرات السنين.
وخلال مسيرتي الأكاديمية المتواضعة شرفت بتدريس عدد من الطلاب الدوليين عدداً من المقررات في عدة جامعات داخل المملكة وخارجها، وأشرفت على رسائلهم وأذكر منهم الطالب البريطاني نيكولاس يا جيلونسكي الذي أشرفت على رسالته للماجستير وكانت بعنوان:
الفروق اللغوية في ترجمات القرآن الكريم إلى الإنجليزية
Linguistic Differences in Translation of the Qura’n into English.
وقد قدم إلى المملكة معلماً للغة الإنجليزية ثم تعلم اللغة العربية وواصل دراساته العليا باللغة العربية، وكان متفوقاً يوظف ثقافته الإنجليزية وما تعلمه من العربية لإنجاز أبحاثٍ رصينة، وعاد إلى بلاده وهو يحمل انطباعات إيجابية عن المملكة قد لا نلاحظها نحن أبناء البلاد؛ فقد كان ولا يزال معجباً بما ما وجده من حسن التعامل وكرم الضيافة ومجانية الدراسة في الجامعة والرخاء الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، ويبدو لي أنه لا يزال وفياً للمملكة ويحلم بمواصلة الدكتوراة في إحدى جامعاتها.
وتجربتي مع ذلك الطالب النجيب تذكرني بأننا نحن أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية يمكن أن نتعلم من الطلاب الدوليين لغاتهم وثقافاتهم وأنه يجب علينا أن نسهم في استقطاب المزيد منهم بتطوير مناهجنا وطرق تدريسنا بأسلوب يكفل اطلاعهم على تراثنا وثقافتنا مع تخفيف من كم المعلومات المعتمد على الإملاء والتلقين؛ فقد حان الوقت للاتجاه بالتعليم نحو تدريب عقول الشباب القادمين من ثقات متنوعة نحو تحليل المعلومات وتطبيقها وليس حفظها عن ظهر قلب. والله من وراء القصد.
