قبل عدة شهور صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية. ويبدو لي أن كثيراً من القراء الكرام بحاجة ماسة إلى توضيح ماهية هذا العلم الذي يعنى بدراسة كل ما يتعلق بالإنسان، والظروف التي يعيش فيها وتطورها، ورصد تحولاتها، بأسلوب علمي ميداني يبتعد عن الأساطير والخرافات، التي قل أن يخلو منها مجتمع من المجتمعات قديماً وحديثاً، وإذ غاب الطرح العلمي الجاد حضرت الخرافات بصورة ملحوظة؛ من هنا تبدو أهمية هذا العلم المنفتح على الحقول العلمية الأخرى؛ بقصد الفهم العميق لطبيعة الإنسان وتقديم الحلول العلمية التي تجعل حياته أكثر تطوراً.
تعود جذور كلمة أنثروبولوجيا Anthropology إلى اللغة اليونانية؛ فهي مكونة من كلمتين Anthropos بمعنى إنساني وLogos بمعنى دراسة، وهو الحقل العلمي الذي يساعدنا على فهم طبيعة البشر.
الأنثروبولوجيا بكل بساطة هي الدراسة العلمية لبني البشر، والأنثروبولوجي Anthropologist هو ذلك الباحث الذي يهتم بحياة الإنسان في الماضي والحاضر بوصفه كائناً حياً يتطور باستمرار ويتأثر ببيئةٍ تسهم في تشكيل حياته.
وبما أن جوانب حياة البشر واسعة ومتنوعة؛ فمن الطبيعي أن يتسع هذا الحقل ليشمل أربعة فروع. أولها الأنثروبولوجيا الأحيائية Biological Anthropology وهي التي تساعدنا على فهم طبيعة الكائن البشري وصلته بالكائنات الحية الأخرى، وتطور الكائن البشري من وجهة نظر علم الأحياء، والتطورات التي مر بها، وتكوينه الأحيائي مقارنةً بالكائنات الأخرى؛ لبيان تميز البشر وتفردهم، وكشف التطورات التي مروا بها عبر التاريخ؛ مما أدى إلى اختلاف مجتمعات السكان قديماً وحديثاً.
ويعد العالم الألماني يوهان فريدريش بلومنباخ (1752-1840) Johann Friedrich Blumenbach الأب الروحي للأنثروبولوجيا الأحيائية؛ فهو أول من درس الجنس البشري من هذا الجانب وأنشأ هذا الحقل العلمي وأسهم في دراسة تنوع البشر.
وثانيها أنثروبولوجيا الآثار Archaeological Anthropologyوتهتم بمعرفة ما يمكن أن تدلنا عليه ما تركته المجتمعات السابقة والمنقرضة من آثار ملموسة أو آثار ثقافية يمكن تحليلها لمعرفة ما كانت عليه الأجيال السابقة؛ كأن نتعرف على سبيل المثال على أشكال البيوت التي تركتها الأمم السابقة وبقيت آثارها.
ويعد العالم الأمريكي ألفريد ف. كيدر (1885-1963) Alfred V. Kidder الذي ابتكر أسلوبا علميا لدراسة الآثار وربطها بمبادئ الأنثروبولوجيا الأب الروحي لهذا الحقل.
وثالثها الأنثروبولوجيا الثقافية الاجتماعية Social and Cultural Anthropology وتعنى بالحياة الاجتماعية لبني البشر.
ويعد العالم البريطاني إدوارد بيرنت تايلور (1832-1917) Edward Burnett Tylor المؤسس الفعلي للأنثروبولوجيا الثقافية؛ لأنه نجح في وضع تعريف دقيق لمصطلح ثقافة (تلك الخلطة التي تشمل المعرفة والاعتقاد وأخلاقيات المجتمع وقوانينه وأعرافه وقدراته وعاداته وكل ما يتصل بالعادات التي اكتسبها الإنسان من مجتمعه).
وأخيراً الأنثروبولوجيا اللسانية Linguistic Anthropology. وسأتوقف عندها أكثر؛ لأنها تتصل بتخصصي الأكاديمي في اللسانيات ومن الواجب علي أن أوضح للقارئ الكريم بعض أبعادها؛ فهي تعنى باللغة التي تعد النظام الوحيد الذي ينفرد به الكائن البشري؛ لأن الكائنات الأخرى لها أنظمة تشبه الإنسان كالنظام البصري والنظام السمعي، ولكن أرقى أنظمة اللغة عند الكائنات الأخرى تثبت التجارب أنها ضئيلة جداً مقارنة بلغات البشر.
ويعد العالم الأمريكي فرانز بواز (1858-1942) Franz Boas صاحب الفضل في تقسيم علم الأنثروبولوجيا إلى أربعة اقسام، وهو الأب الروحي للأنثروبولوجيا اللسانية؛ لأنه أول من تنبه إلى ضرورة دراسة اللغة بوصفها إحدى الاعمدة التي يقوم عليها فهم المجتمع وثقافته وتصرفاته، وفي رأيه لا يمكننا فهم مجتمع معين دون أن نفهم التكوين الداخلي للغته ولهجاته وربطها بالعادات المحلية.
وهو صاحب منظور النسبية الثقافية Cultural Relativism التي تحتم على الأنثروبولوجي الابتعاد عن الثقافة التي ينتمي إليها، وتوجب عليه الحكم على سلوك الأفراد والمجتمعات المدروسة من خلال السياقات التي تعيشها تلك المجتمعات وتجنب إصدار الأحكام على ثقافة معينة من منظور ثقافة أخرى.
ووصلاً لحديثي في مقال سابق عن الحقول العلمية المتداخلة؛ سأتوقف اليوم عند جهود العالم الانثروبولوجي الفرنسي ليفي ستراوس (1908-2009) Levi Strauss الذي استلهم مبادئ البنيوية اللسانية التي بدأت في القرن العشرين على يد اللغوي السويسري الناطق بالفرنسية فرديناد دي سوير (1857-1913) Ferdinand de Saussure والتي تتلخص في أن معنى ووظيفة أي عنصر لغوي، سواء كان كلمة أو صوتاً، لا تكمن في العنصر ذاته وإنما في علاقاته مع العناصر الأخرى في النظام الأوسع.
فاستنتج ستراوس أن قيمة الفرد تكمن في علاقاته مع بقية الأفراد وليست كامنة في نفسه وقدراته الفردية. وهذه العلاقات تمثل أنظمة شاملة وهي التي تصنع المجتمعات.
ذهب ستراوس إلى أن الخطوة الأولى لفهم طبائع البشر هي الاثنوجرافيا Ethnography وهي الدراسة الميدانية لمجتمع ما، وتأتي بعدها الخطوة الثانية، وهي الاثنولوجيا Ethnology وفيها يتم جمع المادة من عدة مجتمعات؛ فعلى سبيل المثال قد يلاحظ الباحث مثلا أن أسطورة معينة تتكرر في عدة مجتمعات. أما الخطوة الثالثة فهي مرحلة الانثروبولوجيا وهي أشبه بعمل المتخصص في فلسفة العلم الذي يسأل سؤالاً عريضاً يتمثل في ماذا تقول هذه المادة؟ وكيف عمل العقل البشري لإنتاجها؟ وماهي القوانين العامة غير الواعية التي تتحكم فيها؟
وإذا كان اللسانيون يسعون إلى معرفة المبادئ المشتركة بين اللغات؛ فقد كان ستراوس يسعى إلى معرفة المبادئ المشتركة بين المجتمعات والثقافات؛ لأن الظواهر الاجتماعية ليست ابداعاً عشوائياً أو خاصاً؛ بل هي نتاج منطق صارم ومشترك بين بني البشر.
إن بلادنا المترامية الأطراف يمكن أن تكون ميداناً علمياً خصباً للدراسات الأنثروبولوجية المتعقلة بحياة الإنسان السعودي، فيما يخص التطورات الحضارية التي مر بها، وتغير العادات الاجتماعية، والازدهار الاقتصادي وانتقال المواطنين إلى حياة المدن، واختلاطهم بأهل الثقافات الأخرى، وانفتاحهم على العالم الافتراضي، وأثر كل ذلك في ثقافتهم وسلوكهم. والمتأمل في فروع علم الأنثروبولوجيا وتطبيقاته والمسيرة الحافلة لرواده ومنجزاتهم العلمية لخدمة مجتمعاتهم؛ يدرك ما يجب علينا نحن الأكاديميين السعوديين نحو الاستفادة من تلك التجارب العلمية العالمية يا صديقي الباحث المعاصر؛ لأن العلم لا وطن له، والحقائق العلمية تقاس بالتجارب الدقيقة وليس بهوية الباحثين. والله من وراء القصد.

